أظهرت دراسة جديدة أصدرتها وكالة الفضاء الأوروبية مؤخرًا أن تدفقًا ضخمًا من الحديد المنصهر المختبئ في أعماق الأرض عكس اتجاهه فجأة تحت المحيط الهادئ. ويساعد هذا التغيير غير المتوقع العلماء على فهم آلية تطور المجال المغناطيسي للأرض بشكل أكثر وضوحًا.

ويعتبر المجال المغناطيسي للأرض بمثابة "درع" غير مرئي ضد كميات كبيرة من الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس. وتأتي طاقتها من "محيط" من الحديد المنصهر الذي يندفع لآلاف الكيلومترات تحت الأرض. على الرغم من أن البشر لا يستطيعون الوصول مباشرة إلى هذه المنطقة العميقة، إلا أن المعدن المنصهر الذي يتدفق ببطء سيترك "بصمة" مجال مغناطيسي ضعيفة للغاية على السطح. يُظهر بحث جديد أن أحد التدفقات الحديدية العميقة انقلب فجأة تحت المحيط الهادئ، وكان مساره مختلفًا تمامًا عما توقعته النماذج التقليدية، مما يوفر للعلماء أدلة جديدة حول ديناميكيات قلب الأرض.
لفترة طويلة، اعتقدت الصناعة عمومًا أن التدفقات واسعة النطاق داخل اللب الخارجي للأرض تتغير ببطء ولن تعدل اتجاهها إلا تدريجيًا على نطاق عقود. من خلال تركيب ما يقرب من 30 عامًا من بيانات المراقبة المغناطيسية الأرضية والقياسات الدقيقة من أقمار صناعية متعددة، أعاد فريق البحث بناء تاريخ حركة منطقة الحديد السائل هذه، واصفًا لأول مرة بدقة عالية العملية الكاملة لهذا "المنعطف على شكل حرف U" العنيف على بعد حوالي 2200 كيلومتر تحت الأرض.
وأشارت الدراسة إلى أنه في حوالي عام 2010، تغيرت فجأة مساحة كبيرة من السوائل الغنية بالحديد تحت خط المحيط الهادئ الاستوائي من حركة ضعيفة باتجاه الغرب إلى تدفق قوي باتجاه الشرق. لم يعثر العلماء حتى الآن على آلية التحفيز المباشر لهذا الانعكاس، ولكن من خلال إعادة تحليل البيانات من مهمتي "Swarm" و"CryoSat" التابعتين لوكالة الفضاء الأوروبية، بالإضافة إلى ملاحظات الأقمار الصناعية مثل CHAMP في ألمانيا و Ørsted في الدنمارك، تمكن الباحثون من تحليل هذا الحدث بتفاصيل غير مسبوقة.
تجمع النتائج، التي نُشرت في مجلة Earth's Deep Interior Research، بين عمليات رصد المجال المغناطيسي عبر الأقمار الصناعية والأرضية من عام 1997 إلى عام 2025. وتُظهر البيانات أن اللب الخارجي للأرض قد يكون أكثر نشاطًا وتغيرًا مما كان يُعتقد سابقًا، مما يقود المجتمع العلمي أيضًا إلى إعادة التفكير في الاقتران بين أعمق الهياكل الأرضية ومسار تطور المجال المغناطيسي على نطاقات زمنية أطول.

في السابق، كان العلماء ينظرون عمومًا إلى اللب الخارجي كنظام ذو حركات سلسة نسبيًا ككل، لكن التغيير الكبير في اتجاه التدفق هذه المرة يشير إلى أن دورانه الداخلي قد يكون أكثر عرضة للتعديلات المفاجئة مما كان متوقعًا. لا يوفر هذا البحث أدلة جديدة حول آلية توليد المجال المغناطيسي للأرض فحسب، بل يلمح أيضًا إلى وجود صلة محتملة بين حركة اللب الخارجي والتغيرات الهيكلية في الأعماق.
قال فريدريك دال مادسن، المؤلف الأول للورقة البحثية ومن كلية علوم الأرض بجامعة إدنبرة، إن انعكاس التدفق واسع النطاق تحت المحيط الهادئ يثير أسئلة جديدة حول سلوك باطن الأرض العميق: هل هو اضطراب قصير، جزء من تذبذب دوري، أم أنه علامة على أن دوران اللب الخارجي قد دخل في حالة جديدة مستقرة نسبيًا؟ وأشار إلى أن تحليل النموذج أظهر أن هذا التدفق شرقا بدأ يضعف بعد عام 2020؛ وفي الوقت نفسه، استنتجت الدراسات الجيوديسية والزلازل أن سلوك نواة الأرض تغير أيضًا خلال نفس الفترة. وبناءً على ذلك، افترض فريق البحث أن هذين النوعين من التغييرات في المناطق الداخلية العميقة مرتبطان ببعضهما البعض وقد يعكسان تأثيرات الاقتران في الأنظمة الديناميكية الأعمق.
يعتمد هذا العمل على نظام مراقبة وانعكاس معقد. يشتق المجال المغناطيسي للأرض بشكل أساسي من حركة الحديد المنصهر شديد التوصيل في اللب الخارجي السائل حول اللب الداخلي الصلب. هذه الآلية، التي تسمى "الدينامو الجغرافي"، تتغير دائمًا ديناميكيًا. وعلى الرغم من أن التدفقات واسعة النطاق تبدو ثابتة نسبيًا في الملاحظات السابقة، إلا أن البيانات الدقيقة تكشف عن هياكل زمانية مكانية أكثر تعقيدًا. تم تجهيز أقمار Swarm الثلاثة التي أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2013 بمقاييس مغناطيسية عالية الحساسية يمكنها رسم خريطة للمجال المغناطيسي للأرض بدقة عالية في المدار ومساعدة العلماء على فصل الإشارات المغناطيسية المختلفة من قلب الأرض ووشاحها وقشرتها والمحيطات والغلاف الأيوني والغلاف المغناطيسي من خلال الطيران التشكيلي.
وباستخدام هذه الملاحظات العالمية المستمرة وطويلة المدى، تمكن الباحثون من إعادة بناء تطور مجالات التدفق بالقرب من حدود اللب والوشاح وتحديد التغيرات المفاجئة المرتبطة بانعكاس المحيط الهادئ والرعشة المغنطيسية الأرضية لعام 2017. أشارت مديرة مهمة سوارم، أنجا ستروم، إلى أنه على الرغم من إطلاق سوارم فقط بعد هذا الحدث الدرامي في عام 2010، إلا أن بيانات المجال المغناطيسي عالية الدقة الخاصة به قدمت دعمًا حاسمًا لتحليل سلوك قلب الأرض في الفترات اللاحقة. وشددت على أنه بالمقارنة مع الاعتماد فقط على المحطات الأرضية، فإن عمليات الرصد المغناطيسي عبر الأقمار الصناعية طويلة المدى يمكنها تتبع تطور ديناميكيات قلب الأرض بشكل مستمر على نطاق عالمي، مما يسمح للعلماء بمراقبة التغيرات في المولد المغنطيسي الأرضي بطريقة "شبه حقيقية"، وبالتالي تحسين نماذج تطور المجال المغناطيسي بشكل مستمر.
كما أتاحت بيانات الأقمار الصناعية للباحثين تحديد هياكل التدفق، مثل تسارع الأمواج والهجرة السريعة، وهي تفاصيل غالبًا ما يصعب حلها في مجموعات البيانات الأكثر ضجيجًا. وتظهر أحدث النتائج أن هذا التدفق باتجاه الشرق تحت المحيط الهادئ يضعف بعد سنوات من بلوغه ذروته، مما يوفر دليلا داعما على أنه قد يكون تذبذبا مؤقتا أو جزءا من دورة طبيعية أطول.
ومن منظور المخاطر، تحدث هذه العمليات العميقة على أعماق هائلة بعيدة عن السطح ولا تشكل حاليًا تهديدًا مباشرًا للإنسان أو المناخ. ومع ذلك، فهي ضرورية لفهم كيفية تصرف الأرض ككل: إن حركة الحديد المنصهر في اللب الخارجي السائل تولد مجالات مغناطيسية، والتي تلعب دورًا رئيسيًا في صد الجسيمات المشحونة من الشمس، وحماية الغلاف الجوي والأنظمة التكنولوجية من الإشعاع الأكثر كثافة.
المجال المغناطيسي للأرض نفسه يتطور باستمرار. مع تغير تدفق قلب الأرض، ينجرف المجال المغناطيسي ببطء، ويمكن أن يكون لهذه التغييرات تأثيرات طويلة الأمد على أنظمة الملاحة، وعمليات المركبات الفضائية، ونماذج الطقس الفضائي القريبة من الأرض. ولذلك، فإن تتبع وفهم التغيرات في قلب الأرض لا يمثل مشكلة علمية أساسية فحسب، بل له أيضًا أهمية تطبيقية واضحة.
أشارت إليزابيتا إيورفيدا، عالمة مهمة سوارم في وكالة الفضاء الأوروبية، إلى أن هذا الانعكاس في المحيط الهادئ يتحدى الحكمة التقليدية القائلة بأن "القلب الخارجي يهيمن عليه دوران مستقر باتجاه الغرب". وشددت على أن هذه الدراسة تظهر أن التغيرات الإقليمية يمكن أن تحدث بسرعة في عقد واحد فقط، مما سيساعد العلماء على استكشاف الاقترانات الديناميكية المحتملة بين اللب الخارجي والنواة الداخلية والوشاح السفلي، ويكشف أيضًا عن العمليات العميقة في المنطقة الرئيسية لحدود اللب والوشاح.
يثير البحث صورة محيرة: قد تكون أعمق طبقات الأرض مترابطة بطرق ديناميكية أكثر تعقيدًا. مع استمرار تطور المجال المغناطيسي، توفر مهمات الأقمار الصناعية مشاهدات تفصيلية متزايدة لنظام أساسي أكثر تنوعًا وتعقيدًا بكثير من النماذج التقليدية.