أظهرت دراسة جديدة أجراها فريق بحث في مدرسة الفنون التطبيقية الفيدرالية في لوزان (EPFL) في سويسرا أن استخراج المعادن من الكويكبات وإنتاج وقود الصواريخ في الموقع من المتوقع أن يوفر حلاً لوجستيًا واقعيًا وممكنًا لاستعمار المريخ في المستقبل، مما يقلل بشكل كبير من الاعتماد على إمدادات الأرض وضغط تكاليف المهمة. يحاول العلماء الإجابة على سؤال يبدو وكأنه خيال علمي ولكنه أصبح أكثر واقعية: إذا كان البشر يريدون حقًا البقاء على كوكب المريخ لفترة طويلة، فهل يمكن أن تصبح الكويكبات في الفضاء مصدرًا رئيسيًا للإمدادات؟

في الثقافة الشعبية، غالبًا ما تظهر الكويكبات على أنها "تهديدات". على سبيل المثال، في فيلم هوليوود "هرمجدون"، يحاول رواد الفضاء وعمال آبار النفط تفجير كويكب "بحجم تكساس" في الفضاء. لكن من وجهة نظر البحث العلمي، فإن الكويكب أقرب إلى "منجم عائم". وقيمتها لا تكمن في التدمير، بل في تطويرها واستخدامها لتوفير الموارد اللازمة "لبناء عالم" على كوكب آخر.
تشير الأبحاث إلى أن بناء مستعمرة على المريخ لا يمثل مشكلة هندسية فحسب، بل يمثل أيضًا تحديًا لوجستيًا خطيرًا. إن قاعدة المريخ المستدامة حقًا لن تتطلب الغذاء والأكسجين فحسب، بل ستتطلب أيضًا كمية كبيرة من المعادن، مثل الفولاذ الهيكلي للمنشآت السكنية، والألمنيوم للمعدات، والحديد لصنع الأدوات وإصلاحها. ستبلى هذه الأجزاء حتمًا وتتضرر وتحتاج إلى الاستبدال على المدى الطويل. فإذا كان كل إمداد يعتمد على الإطلاق من الأرض، فإن نقل المعدن باعتباره "إمدادات" سيكون غير اقتصادي وغير مستدام على المدى الطويل.
حاليًا، تبلغ تكلفة إطلاق صاروخ من الأرض عشرات الملايين من الجنيهات الاسترلينية لكل طن من البضائع، وتستغرق الرحلة إلى المريخ حوالي ستة إلى تسعة أشهر، اعتمادًا على المواقع النسبية للأرض والمريخ في مداراتهما. في ظل ظروف الوقت والتكلفة هذه، يكاد يكون من المستحيل الحفاظ على نظام إمداد على طراز "Interstellar Hardware Store" باستخدام الطرق التقليدية.

وفي الدراسة الجديدة، أنشأ فريق EPFL نموذجًا حسابيًا معقدًا لمحاكاة العملية الكاملة "لنقل المعادن من الكويكبات إلى المريخ" وتحليلها كميًا. هناك الملايين من الكويكبات في النظام الشمسي، بما في ذلك الكويكبات من النوع M الغنية بالمعادن، والتي هي في الأساس "كتل معدنية" ضخمة مصنوعة من الحديد والنيكل ومعادن ثمينة أخرى، تنجرف بين مدارات الكواكب. والسؤال الأساسي للبحث هو: في ظل ظروف تكنولوجيا الفضاء الحالية أو المتوقعة، هل يمكن للبشر الوصول إلى هذه الكويكبات المستهدفة بطاقة وتكلفة منخفضة بما يكفي، واستخراج الموارد بالكامل، ونقل المعادن بأمان إلى المريخ.
سيقوم برنامج الحساب الذي طوره الفريق "بالبحث بشكل شامل" بين العديد من حلول سلسلة التوريد المحتملة، واختبار ومقارنة آلاف المجموعات للعثور على الحل الأمثل. يأخذ النموذج في الاعتبار العديد من المتغيرات الرئيسية: بما في ذلك الطاقة اللازمة للمركبة الفضائية للانتقال بين الكويكبات المختلفة والمريخ، وكتلة المعدن التي يمكن استخراجها ونقلها بشكل واقعي، وكمية الوقود الدافع المطلوبة للمهمة من وإلى الكوكب. وخلصت الدراسة إلى أنه في ظل ظروف معينة، من الممكن نظريًا بناء مثل هذه "سلسلة توريد المعادن الفضائية"، لكن جدواها تعتمد بشكل كبير على اختيار الهدف ومدى تعقيد تصميم المهمة.
تعتبر قضية الوقود جزءًا أساسيًا من الخطة بأكملها، وهي أيضًا المكان الذي تقترح فيه الدراسة "تطورًا ذكيًا". بعض الكويكبات عبارة عن كويكبات كربونية غنية بالكربون والجليد المائي. إذا أمكن معالجة الموارد على هذه الأجرام السماوية، فيمكن إنتاج الوقود الدافع للصواريخ مباشرة في الفضاء دون الحاجة إلى حمل كل الوقود اللازم لرحلة الذهاب والإياب من الأرض. ويدمج البحث الجديد فكرة "إنتاج الوقود في الموقع على الكويكبات" في حسابات سلسلة التوريد، مما يعني أن بعض مهام النقل يمكن أن تكون مكتفية ذاتيا في الفضاء، وبالتالي تحسين اقتصاديات ومرونة المهمة الشاملة بشكل كبير.

ومن خلال محاكاة وتحليل الظروف المدارية المختلفة وأنواع الكويكبات، حدد فريق البحث عددًا من المرشحين المستهدفين الذين يقعون ضمن قدرات تكنولوجيا الفضاء الحالية ويتمتعون بإمكانية الوصول إليها بشكل واقعي. تحقق هذه الكويكبات المستهدفة توازنًا نسبيًا بين متطلبات الطاقة المدارية والموارد المحتملة القابلة للاستغلال، مما يجعل من الممكن لمهمات الرحلات ذهابًا وإيابًا "استرداد" التكلفة نظريًا؛ بل على العكس من ذلك، فإن الكويكبات التي تم اختيارها بشكل غير صحيح قد تفقد أكثر مما تكسبه في استهلاك الوقود الدافع، وقد يتجاوز استهلاكها للوقود قيمة المعدن المنقول.
كما أكدت الدراسة على أنه من المتوقع أن تصبح بعض الكويكبات الكربونية، مثل ماتيلد البالغ عددها 253، "محطات وقود" وقواعد مواد أولية لتصنيع الوقود في البعثات الفضائية المستقبلية بسبب محتواها الغني بالجليد المائي والكربون. وفي الوقت نفسه، تعد الكويكبات الغنية بالمعادن أكثر ملاءمة باعتبارها "مصادر معدنية معالجة تقريبًا" لتوفير المواد الأساسية مثل الفولاذ والسبائك لأنشطة البناء على سطح المريخ. يؤدي كلا النوعين من الأجرام السماوية واجباتهم الخاصة في سلسلة التوريد ويكمل كل منهما الآخر.
وعلى الرغم من أنه لا تزال هناك مسافة تقنية وهندسية طويلة تفصلنا عن عملية تعدين حقيقية للكويكبات، إلا أن أهمية هذا البحث تكمن في أنه يثبت أن المشكلة "قابلة للحل" نظريًا من منظور اللوجستيات وهندسة النظم، وليس من قبيل الخيال. ويقترح البحث مسارًا مفاهيميًا كاملاً: استخراج المعادن على الكويكبات، وتصنيع الوقود في الموقع في الفضاء، ومن ثم نقل هذه الموارد إلى المريخ لتوفير المواد الأساسية لبناء المستعمرات هناك. وفي هذه الرؤية، لا يحتاج المريخ إلى بناة ومهندسين فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى "مدير لوجستي" جديد مسؤول عن إدارة سلسلة التوريد بين النجوم من الكويكبات إلى المريخ، وتظهر أحدث الأبحاث أن مثل هذا النظام ممكن على المستوى العلمي والهندسي.
تم نشر هذا العمل على منصة ما قبل الطباعة arXiv تحت عنوان "من منظور لوجستي: استخدام تعدين الكويكبات لدعم استعمار المريخ" وشارك في التوقيع عليه سيرينا سوريانو، شامل بيكتيميروف، ديمتري بريتكين وأنطون إيفانوف. وقد أقام البحث علاقة منهجية بين اقتصاد الرحلات الفضائية، واستخدام موارد الكويكبات واستدامة القواعد الكوكبية، مما يوفر أساسًا نظريًا مهمًا للتخطيط لمهمات المريخ طويلة المدى في المستقبل، كما يقدم أفكارًا جديدة لمسألة "كيف نجعل المريخ موطنًا ثانيًا".