قبل حوالي 300 مليون سنة، بدت الأرض مختلفة تمامًا عما تبدو عليه اليوم. وفي ذلك الوقت، كانت القارات متصلة في قارة واحدة تسمى بانجيا. كانت هناك غابات مستنقعات الفحم الشاسعة بالقرب من خط الاستواء. كان محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي أعلى بكثير من مستويات اليوم. اندلعت حرائق الغابات المتكررة عبر هذه الأرض القديمة. ازدهرت الأسماك في المحيط، واحتلت البرمائيات والزواحف المبكرة ومختلف المفصليات مكانها على الأرض، بما في ذلك الصراصير العملاقة. وفي الهواء، سيطرت الحشرات على السماء، حيث نمت بعض أنواعها إلى أحجام هائلة، متجاوزة بكثير نظيراتها الحديثة.


ومن بين هذه الحشرات الطائرة هناك حشرات تشبه ذبابة مايو يصل طول جناحيها إلى حوالي 45 سم، وحشرات عملاقة "شبيهة باليعسوب" يصل طول جناحيها إلى 70 سم. تم التعرف على هذه الحشرات العملاقة، والتي غالبًا ما يشار إليها بشكل جماعي باسم "غريفين"، لأول مرة من خلال الانطباعات الأحفورية المحفوظة جيدًا في الصخور الرسوبية الدقيقة الحبيبات في كانساس وتمت دراستها منذ ما يقرب من مائة عام. لفترة طويلة، كانت وجهة النظر السائدة هي أن هذه الحشرات الضخمة يمكن أن توجد لأن محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي في ذلك الوقت كان أعلى بنحو 45% مما هو عليه الآن، مما يوفر الظروف اللازمة لدعم الحشرات العملاقة. ومع ذلك، فإن دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature تتحدى هذا التفسير الكلاسيكي لـ "ارتفاع الأكسجين يخلق حشرات عملاقة".

في الثمانينات، بدأ العلماء في تطوير أساليب لإعادة بناء تكوين الغلاف الجوي القديم. وأظهرت التقنيات ذات الصلة أنه كانت هناك فترة من الزيادة الكبيرة في محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي منذ حوالي 300 مليون سنة. في عام 1995، ربطت دراسة نشرت في مجلة Nature رسميًا هذه الفترة من ارتفاع الأكسجين بوجود حشرات عملاقة، واقترحت فرضية مفادها أن "الحشرات العملاقة تحتاج إلى المزيد من الأكسجين، وبيئة عالية الأكسجين تجعل هذا الحجم ممكنًا". تعتمد هذه الفكرة على طريقة التنفس الفريدة للحشرات: الحشرات ليس لديها رئتان، ولكنها تعتمد على نظام القصبة الهوائية لنقل الأكسجين - وهي شبكة من القصبات الهوائية المتفرعة في جميع أنحاء الجسم، وتشكل قصبات هوائية صغيرة في النهاية، وينتشر الأكسجين على طول تدرج التركيز في عضلات الطيران. ونظرًا لكفاءة الانتشار المحدودة عبر مسافات طويلة، خلص الباحثون إلى أنه سيكون من الصعب الحفاظ على مثل هذه الحشرات الطائرة الضخمة في ظل ظروف الأكسجين الجوي المنخفضة اليوم، لذلك تعتبر الحشرات العملاقة "غير قابلة للتحقيق" في البيئات الجوية الحديثة.

بحث جديد يعطي صورة مختلفة. استخدم فريق بقيادة إدوارد (نيد) سنيلينج من جامعة بريتوريا مجهرًا إلكترونيًا عالي الدقة لتحليل العلاقة بين حجم جسم الحشرة وعدد الأنابيب الرغامية في عضلات الطيران بشكل منهجي. ووجدوا أنه في معظم أنواع الحشرات، لا تمثل الأنابيب الرغامية عادة أكثر من 1% من حجم عضلات الطيران. ويمكن أيضًا استقراء هذه القاعدة على "ذباب الجريفون" العملاق قبل 300 مليون سنة، بما في ذلك تلك التي يتجاوز طول جناحيها 60 سم أو حتى يقترب من قدمين. وهذا يعني أن هياكل إمداد الأكسجين داخل عضلات الطيران لا تشغل مساحة كبيرة، وأن الحشرات لديها "مجال تطوري" لزيادة عدد الأنابيب الرغامية عند الحاجة دون الحاجة إلى دفع تكلفة هيكلية باهظة.

وبناء على ذلك، أشار الفريق البحثي إلى أن إمداد عضلات طيران الحشرات بالأكسجين لا يقتصر بشكل أساسي على مستوى الأكسجين في الغلاف الجوي. إذا كانت مستويات الأكسجين في الغلاف الجوي تمثل بالفعل "حدًا أعلى صارمًا" لأقصى حجم للحشرات، فيجب أن نرى في الحشرات الأكبر حجمًا "زيادة تعويضية" واضحة في الأنابيب الرغامية لعضلات الطيران. وقال سنيلينج إنه على الرغم من ملاحظة وجود درجة معينة من التعويض في الحشرات الكبيرة، إلا أنه عند النظر إلى الهيكل العام، فإن هذا التعويض محدود للغاية وغير كافٍ للإشارة إلى أن محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي وحده يحدد الحد الأعلى لحجم الجسم.

ولمزيد من التوضيح، قارن الباحثون أيضًا الحشرات بالطيور والثدييات. في الأنسجة العضلية القلبية لدى الطيور والثدييات، تشغل الشعيرات الدموية المستخدمة لنقل الأكسجين حوالي عشرة أضعاف نسبة المساحة التي تشغلها الأنابيب الرغامية في عضلات الطيران لدى الحشرات. وأشار روجر سيمور، الأستاذ في جامعة أديلايد الذي شارك في الدراسة، إلى أنه إذا كان نقل الأكسجين هو بالفعل القيد الرئيسي على حجم جسم الحشرة، فإن الحشرات لديها القدرة على "زيادة كبيرة" في الاستثمار في أنابيب القصبة الهوائية مثل الفقاريات من أجل اختراق الحد الأقصى لحجم الجزء العلوي من الجسم. تؤدي هذه المقارنة إلى إضعاف التفسير السببي الوحيد القائل بأن ارتفاع نسبة الأكسجين يحدد حجم جسم الحشرة العملاقة.

وبطبيعة الحال، حذر بعض العلماء من أن مستويات الأكسجين في الغلاف الجوي لم "تزيل الشكوك" بشكل كامل. قد يظل الأكسجين يحد من حجم الجسم في أجزاء أخرى من جسم الحشرة، أو في المراحل المبكرة من سلسلة نقل الأكسجين. ولذلك، فإن الفرضية القائلة بأن "الأكسجين يحد من الحد الأقصى لحجم جسم الحشرات" لا يزال من الصعب القول قد تم نقضها بالكامل. ومع ذلك، فإن الأبحاث الجديدة تظهر بوضوح أن الأكسجين، على الأقل في انتشار الأنابيب الرغامية داخل عضلات الطيران، ليس عاملاً حاسماً في تحديد وجود الحشرات العملاقة. وقد أجبر هذا الباحثين على النظر في تفسيرات محتملة أخرى للإجابة على السؤال المفتوح حول كيفية نمو الحشرات ذات يوم إلى هذا الحد ولماذا اختفت في النهاية.

في المناقشة الحالية، تشمل بعض العوامل البديلة المذكورة ما يلي: مع تقدم التطور، تزداد الحيوانات المفترسة للفقاريات، وقد يكون لضغط الافتراس من الطيور والزواحف وما إلى ذلك تأثير عميق على تطور حجم جسم الحشرات؛ وفي الوقت نفسه، قد يصبح الحد الأعلى للقوة الميكانيكية للهياكل الخارجية للحشرات أيضًا "سقفًا" هيكليًا عند مقياس معين لحجم الجسم، مما يحد من جدوى زيادة حجم الجسم بشكل أكبر. ومع ذلك، تفتقر هذه الفرضيات حاليًا إلى أدلة كمية مقبولة على نطاق واسع مثل "نظرية فرط التأكسج" ولا تزال بحاجة إلى التحقق من صحتها من خلال الأبحاث المستقبلية. الأمر المؤكد هو أن هذا التحليل الجديد لأنابيب القصبة الهوائية وعضلات الطيران يجعل لغز أصل الحشرات العملاقة القديمة أكثر إرباكًا.