أعلن المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي (NRAO) التابع لمؤسسة العلوم الوطنية (NRAO) والمؤسسات الشريكة مؤخرًا أن علماء الفلك التقطوا بوضوح لأول مرة في بيانات الرصد الرياح الكونية عالية الحرارة المنبعثة من الثقب الأسود الهائل Sagittarius A* (Sgr A*) في مركز درب التبانة، مما يوفر دليلًا مباشرًا على نصف قرن من الاستدلال النظري.

وفقًا للنظرية الفيزيائية الفلكية، عندما يبتلع ثقب أسود مادة غازية محيطة به، بالإضافة إلى امتصاص جزء منها في أفق الحدث، يجب أيضًا قذف بعض المواد إلى الخارج على شكل نفاثات أو رياح. إلا أن "رياح" الثقب الأسود هذه الموجودة في مركز مجرة درب التبانة لم يتم رصدها بشكل واضح.
يعتمد هذا البحث على مصفوفة تلسكوب أتاكاما المليمتري الكبير/تحت المليمتري (ALMA) في تشيلي. واستنادا إلى عدة سنوات من الملاحظات، رسم فريق البحث العلمي خريطة التوزيع الأكثر تفصيلا للغاز البارد حول برج القوس A* حتى الآن، ووجد آثارا مباشرة خلفها "تنفس" الثقب الأسود.
كان الباحثون يراقبون إشعاع جزيئات أول أكسيد الكربون لفترة طويلة في نطاق موجة يبلغ 1.3 ملم ضمن نطاق حوالي 1 فرسخ فلكي (حوالي 3 سنوات ضوئية) من برج القوس A*. يعد هذا النوع من الجزيئات بمثابة تتبع نموذجي للغازات الجزيئية الباردة ويساعد في وصف البنية المكانية للغاز البارد بالقرب من الثقب الأسود.
نظرًا لأن كثافة الإشعاع الراديوي لـ Sagittarius A* نفسها عالية وتتغير بسرعة مع مرور الوقت، فقد قام الفريق أولاً بتصميم وطرح الإشارات الراديوية الساطعة للثقب الأسود نفسه بعناية للتخلص من تداخل "الوهج" قدر الإمكان.
وبعد "طرح" الإشعاع القوي من الثقب الأسود، تمكن الباحثون من تمييز البنية الضعيفة والمعقدة للغاية للغاز البارد في محيطه، واكتشفوا بالصدفة تجويفا ضخما على شكل مخروطي - ظهر كمنطقة مفقودة واضحة على خريطة توزيع الغاز البارد، وكان شكله الهندسي يشير مباشرة إلى برج القوس A*.
ومن أجل تأكيد الخصائص الفيزيائية لهذا الهيكل، قام فريق البحث العلمي أيضًا بمقارنة البيانات الواردة من مرصد تشاندرا للأشعة السينية التابع لناسا، ووجد أن نفس المساحة الفضائية مليئة بإشعاع الأشعة السينية المنبعثة من الغازات ذات درجة الحرارة المرتفعة.
وهذا يدل على أن هذا التجويف المخروطي الشكل ليس مجرد مادة مفقودة، ولكنه مملوء برياح عالية الحرارة يقودها الثقب الأسود؛ وهذه الرياح إما "تجرف" الغاز البارد الأصلي، أو تسخنه إلى درجة حرارة عالية بحيث لا يعود يظهر على شكل غاز بارد.
تظهر الأبحاث أن خريطة توزيع الغاز البارد المرسومة بناءً على بيانات ALMA أكثر حساسية بحوالي 100 مرة من ملاحظات أول أكسيد الكربون المماثلة السابقة، كما أن دقة الوضوح المكانية أعلى بحوالي 80 مرة. لقد أصبحت المراقبة الأكثر وضوحًا وحساسية للغاز البارد في نطاق 1 فرسخ فلكي بالقرب من برج القوس A* حتى الآن.
وعلى هذا الأساس، لم يحدد العلماء بوضوح بنية التدفق الخارجي التي يحركها الثقب الأسود في وسط مجرة درب التبانة لأول مرة فحسب، بل حلوا أيضًا مشكلة "الرياح المفقودة" التي ابتليت بها المجال لعقود من الزمن، مما يثبت أن الثقب الأسود الموجود في مركز درب التبانة يتفاعل أيضًا بعنف مع البيئة المحيطة به على شكل رياح.
ويقدر فريق البحث العلمي أن هذه الرياح شديدة الحرارة التي يهب عليها برج القوس A* استمرت لمدة 20 ألف عام على الأقل، مما يدل على أن الثقب الأسود يطلق الطاقة والزخم إلى الخارج بطريقة مستقرة وطويلة المدى.
ومع ذلك، بالمقارنة مع النفاثات الضخمة اللامعة المرئية في مراكز بعض المجرات الأخرى، فإن هذه الرياح في مركز درب التبانة "معتدلة" نسبيًا ولا تشكل بنية نفثية عنيفة للغاية. وبدلا من ذلك، فإنه يغير البيئة البيئية الغازية في وسط درب التبانة بطريقة أكثر "منخفضة".
وأشار العلماء إلى أن هذا الاكتشاف يساعد على تعميق فهم الناس لعمليات "التغذية" و"الارتجاع" للثقوب السوداء فائقة الكتلة: فمن ناحية، تتراكم الثقوب السوداء المحيطة بالغاز للحصول على الطاقة، ومن ناحية أخرى، يتم إعادة حقن الطاقة والمادة في مركز المجرة من خلال التدفقات الخارجية أو النفاثات، مما يؤثر على العمليات العيانية مثل تكوين النجوم ودوران الغاز.
باعتبارها المجرة الأم للبشرية، فإن إيقاع "التنفس" في درب التبانة ونمط الثقب الأسود المركزي لهما أهمية توضيحية كبيرة لفهم التطور الشامل للمجرة. توفر هذه الملاحظة واحدة من أوضح العينات التجريبية حتى الآن.
وباعتبارها المعدات الرئيسية لهذا الإنجاز، فإن ALMA عبارة عن منشأة فلكية دولية واسعة النطاق تم بناؤها وتشغيلها من قبل المرصد الجنوبي الأوروبي، ومؤسسة العلوم الوطنية في الولايات المتحدة، والمعهد الوطني للعلوم الطبيعية في اليابان بالتعاون مع جمهورية تشيلي. ويهدف إلى مراقبة بنية الغاز والغبار في الكون البارد باستخدام نطاقات موجية ملليمترية ودون ملليمترية.
المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي هو المسؤول عن بناء وتشغيل ALMA نيابة عن أمريكا الشمالية. إنها منصة مهمة لمراقبة علم الفلك الراديوي تابعة لمؤسسة العلوم الوطنية وتوفر مرافق مراقبة مفتوحة ومتقدمة للمجتمع الفلكي العالمي.
وفقًا للوكالات ذات الصلة، فإن أول دليل واضح على "تنفس" القوس A* لا يسد الفجوة بين النظرية والمراقبة فحسب، بل يفتح أيضًا نافذة جديدة للاستكشاف المشترك المستقبلي لمركز درب التبانة باستخدام معدات متعددة النطاقات ومتعددة.
ومع استمرار تراكم خطوط الأساس طويلة المدى وعمليات الرصد عالية الدقة، فمن المتوقع أن يواصل الناس توصيف تاريخ تطور هذه الرياح الكونية وتقييم تأثيرها العميق على توزيع أنشطة الغاز وتكوين النجوم في وسط درب التبانة.