تخيل أنك ترتدي قميصًا يشبه الملابس العادية، ولكن يمكنك الحصول على بيانات في الوقت الفعلي عن صحتك والبيئة المحيطة بك. يمكن أيضًا تسخين الملابس أو تبريدها تلقائيًا، وحتى تزويدك بمعلومات حول وسائل النقل المحلية والمطاعم وأماكن الجذب السياحي أثناء رحلتك. وللمضي قدمًا إلى أبعد من ذلك، يمكن استخدام نفس الألياف لعلاج الأمراض العصبية أو تزويد الأطباء بردود فعل لمسية أثناء الجراحة عن بعد، وهو ما أصبح حقيقة واقعة.

أعلن فريق بحث من جامعة فودان في شنغهاي بالصين مؤخرًا أنهم قاموا ببناء دوائر إلكترونية معقدة داخل ألياف مرنة أرق من شعر الإنسان، مما أدى إلى إنشاء خيط حاسوبي فائق الدقة يسمى "رقاقة الألياف". وقد نشرت النتائج ذات الصلة في مجلة الطبيعة. وفقًا للفريق، تم تطوير هذه التكنولوجيا لأكثر من عشر سنوات، بهدف توفير منصة حوسبة واستشعار مرنة حقًا يمكن إنتاجها بكميات كبيرة للأجهزة القابلة للارتداء، والمنسوجات الذكية، وجيل جديد من واجهات الدماغ والحاسوب.
وهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الألياف الذكية. يحاول مجتمع البحث العلمي دمج وظائف التوصيل والاستشعار في الأقمشة لسنوات عديدة لتحقيق المزيد من التفاعل غير المرئي والطبيعي بين الإنسان والحاسوب. ومع ذلك، فإن كيفية حشو المكونات الإلكترونية المعقدة في مساحة صغيرة مثل خيوط القطن كانت دائمًا إحدى الاختناقات التقنية. في الوقت نفسه، على الرغم من استمرار الانكماش في حجم الرقائق التقليدية، إلا أن هناك تعارضًا طبيعيًا بين هيكلها المسطح والصلب والأقمشة الناعمة، مما يجعل من الصعب ثنيها ولفها "مثل القماش".
ومن أجل كسر هذا القيد، تخلى فريق فودان عن فكرة "إلصاق" المكونات الإلكترونية على سطح المنسوجات، واستخدم بدلاً من ذلك هياكل التصفيح واللف الحلزوني لبناء دوائر ثلاثية الأبعاد داخل ألياف فائقة الدقة. وبموجب هذه البنية، قام الباحثون بدمج حوالي 10000 ترانزستور في ألياف يبلغ طولها 1 مم فقط، مما يمنحها قوة معالجة تعادل تقريبًا قوة شريحة جهاز تنظيم ضربات القلب. وأشار الفريق إلى أنه إذا تم تمديد هذه الألياف إلى متر واحد (حوالي 3.3 قدم)، فمن المتوقع أن تستوعب ملايين الترانزستورات. يمكن أن تكون قوة الحوسبة الإجمالية مماثلة لتلك الموجودة في كمبيوتر سطح المكتب النموذجي، ولا تزال "وحدات الحوسبة" هذه موجودة على شكل خيوط ويمكن نسجها في الملابس.

ليس هذا فحسب، بل يتم دمج كل ألياف أيضًا مع مكونات مثل المقاومات والمكثفات والثنائيات، مما يشكل نظامًا هجينًا مغلق الحلقة يمكنه معالجة الإشارات الرقمية والتناظرية في نفس الوقت، مما يجعله ليس قادرًا على الحوسبة فحسب، بل قادرًا أيضًا على الحصول على الإشارة وتكييفها. وهذا يعني أنه من المتوقع أن تكمل المنسوجات الذكية المستقبلية جمع البيانات ومعالجتها ونقلها على مستوى "الخط الواحد"، بدلاً من الاعتماد على وحدات خارجية ضخمة.
وبحسب التقارير، يبلغ قطر شريحة الألياف هذه حوالي 50 ميكرون، في حين يبلغ قطر شعر الإنسان العادي حوالي 70 ميكرون، لذا فهي أقرب إلى ألياف النسيج التقليدية من حيث الرؤية واللمس. خواصه الميكانيكية الناعمة للغاية ليست مناسبة فقط لصنع الملابس، ولكنها تعادل أيضًا الخواص الميكانيكية للأنسجة الرخوة مثل أنسجة المخ، مما يفتح المجال لتطبيقات زرعها في مجال الطب العصبي. وأشار فريق البحث في الورقة إلى أن هذه المادة تتمتع بأداء متميز من حيث النعومة والتوافق الحيوي، ومن المتوقع أن تصبح مادة منصة للزراعات العصبية الذكية وغيرها من الأجهزة الطبية اللينة.
"يتكون جسم الإنسان بشكل رئيسي من الأنسجة الرخوة، لذا فإن المجالات الناشئة مثل واجهات الدماغ والحاسوب المستقبلية تحتاج بشكل عاجل إلى أنظمة إلكترونية ناعمة ومتوافقة للغاية." وقال بينغ هويشينغ، الباحث في جامعة فودان وأحد قادة هذه الدراسة، في مقابلة مع وكالة أنباء شينخوا. ووفقا للتقارير، من المتوقع أن يتم استخدام هذه التكنولوجيا للتخفيف من الأعراض المرتبطة بمرض باركنسون والصرع والسكتة الدماغية وغيرها من الأمراض في المستقبل، أو أن يتم دمجها في المعدات الدقيقة واستخدامها كعنصر استشعار شديد الحساسية.

وفيما يتعلق بالتطبيقات القابلة للارتداء، استخدم فريق البحث رقائق الألياف لإنشاء "قفاز ذكي يعمل باللمس". وقال تشن باينينغ، من معهد مواد الألياف والأجهزة بجامعة فودان، إن هذا النوع من القفازات يبدو وملمسه مثل الأقمشة العادية، لكنه يمكنه استشعار ومحاكاة لمس أشياء مختلفة. في سيناريوهات الجراحة الروبوتية عن بعد، من المتوقع أن يشعر الأطباء الذين يرتدون هذه القفازات بالاختلافات في صلابة الأنسجة، وبالتالي الحصول على ردود فعل لمسية أكثر سهولة أثناء العمليات عن بعد.
وشدد فريق البحث العلمي أيضًا على أنه لكي تنتقل النماذج الأولية المخبرية نحو التطبيقات الحقيقية، يجب عليها أيضًا حل مشكلات التصنيع على نطاق واسع والمتانة. ولتحقيق هذه الغاية، فإنهم يعتمدون تقنية معالجة متوافقة إلى حد كبير مع صناعة الرقائق الحالية ويزعمون أنهم حققوا إنتاجًا ضخمًا لرقائق الألياف. وفي اختبارات محاكاة الاستخدام اليومي، نجت الألياف من أكثر من 10000 دورة ثني واحتكاك وبقيت فعالة. في اختبارات الشد، صمدت الألياف للاستطالة بنسبة 30% تقريبًا ويمكن أن تلتوي بسهولة. بالإضافة إلى ذلك، فقد صمدت أمام غسل المياه 100 مرة، بالإضافة إلى اختبارات الضغط التي بلغت حوالي 100 درجة مئوية وما يعادل صابورة شاحنة بوزن 15.6 طن.
حاليًا، يتعاون فريق البحث مع المستشفيات لتحويل تكنولوجيا شرائح الألياف إلى جراحة القلب والأوعية الدموية واستكشاف إمكانية تطبيقها في القسطرة أو الدعامات أو الوسائل الجراحية المساعدة. وقال تشن بينينغ: "نأمل أن تتمكن الأقمشة الإلكترونية المعتمدة على "رقائق الألياف" في يوم من الأيام من تبادل المعلومات بكفاءة مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر اليوم".