لقد أمضى العلماء عقودًا من الزمن في محاولة كشف أسرار البروتون، وهو الجسيم الصغير الموجود في قلب كل ذرة. على الرغم من حجمها الصغير، إلا أن البروتونات معقدة للغاية وديناميكية في بنيتها الداخلية، ويواصل الفيزيائيون العمل لفهمها بشكل كامل. الآن، اتخذ فريق من الباحثين خطوة عملاقة إلى الأمام من خلال إنشاء الخريطة الأكثر تفصيلاً حتى الآن للقوى المؤثرة داخل البروتون.
ولتحقيق ذلك، استخدم فريق البحث في جامعة أديلايد تقنية حسابية قوية تسمى الديناميكا اللونية الكمومية الشبكية. تعد المراقبة المباشرة للكواركات والغلوونات المكونة للبروتونات أمرًا صعبًا للغاية، لذلك طور الباحثون طريقة جديدة تقوم أساسًا بـ "تقسيم المكان والزمان إلى شبكة دقيقة"، كما وصفها أحد أعضاء الفريق.
أتاحت لهم هذه الشبكة الافتراضية تطبيق معادلات معقدة للغاية لمحاكاة التفاعلات بين الكواركات داخل البروتون. وبعد عمل حسابي مكثف، أنتجت المحاكاة تصورًا غير مسبوق للقوى.
ووجد الفريق أن هذه القوى قوية بشكل غير عادي، حيث تصل إلى 500000 نيوتن حتى بمقاييس أصغر بآلاف المرات من نواة ذرية واحدة. ولوضع ذلك في منظوره الصحيح، فإن هذا يعادل ضغط وزن حوالي 10 أفيال في مساحة صغيرة متناهية الصغر تقريبًا.
لاحظ طالب دكتوراه مسؤول عن الحسابات التي قادت الدراسة أن هذه المخططات توفر طريقة جديدة تمامًا لفهم الديناميكيات الداخلية المعقدة للبروتونات وسلوكها في تصادمات الجسيمات عالية الطاقة.
يتم إجراء مثل هذه التجارب عالية الطاقة في مرافق مثل مصادم الهادرونات الكبير التابع لـ CERN، حيث يقوم أكثر من 10000 عالم بتحطيم البروتونات معًا لدراسة بنيتها الأساسية. إن الفهم الأعمق للقوى الداخلية للبروتون يمكن أن يساعد في تحسين النظريات التي تصف إحدى لبنات البناء الأساسية في الطبيعة.
الباحثون واثقون جدًا من النتائج التي توصلوا إليها لدرجة أن أحد أعضاء الفريق قارن عملهم بالدراسات الرائدة التي أجراها توماس إديسون حول الخصائص الأساسية للضوء قبل أن يطور المصباح الكهربائي. وكما أدت هذه الاكتشافات إلى تقنيات مثل الليزر والتصوير الحديث، فإن كشف أسرار البروتون يمكن أن يمهد الطريق للتقدم العلمي والطبي في المستقبل.
أحد المجالات التي قد تستفيد بشكل خاص هو العلاج بالبروتونات لعلاج السرطان، والذي يستخدم البروتونات المتسارعة لاستهداف الأورام بدقة. إن الفهم الأعمق لقوى البروتون قد يساعد العلماء على تحسين وتحسين هذه التكنولوجيا المنقذة للحياة.