اقترح فريق بحث من جامعة أوبسالا في السويد مؤخرًا طريقة جديدة لقياس الوقت. الميزة الأكبر هي أنه ليست هناك حاجة لمعرفة لحظة بداية الحدث مسبقًا في التجربة، وهي "نقطة الصفر الزمنية" بالمعنى التقليدي. تعتمد هذه الطريقة على سلوك التطور الكمي لذرات الهيليوم في حالة الإثارة الشديدة. ومن خلال تحليل "بصمة الإصبع" المميزة التي تتغير بمرور الوقت بعد تشعيع ضوء نبضي قصير، يمكنه قراءة طول الوقت الذي انقضى مباشرةً، مما يوفر أداة مقياس زمني جديدة للعمليات الفيزيائية والكيميائية فائقة السرعة التي لا يمكنها تحديد لحظة البداية بدقة.

في هذا العمل، استخدم الباحثون أولاً نبضات قصيرة من الضوء لإثارة ذرات الهيليوم في مجموعة مما يسمى بحالات ريدبيرج ووضع الذرات في "حالة التراكب" الكمومية التي يتم فيها تراكب حالات ريدبيرج المتعددة. حالة ريدبيرج هي نوع من الحالة الذرية المثارة ذات الطاقة العالية للغاية والإلكترونات البعيدة عن النواة. إنها حساسة للغاية للبيئة. ويعني التراكب الكمومي أن الذرات توجد في حالات كمومية متعددة في نفس الوقت، وأن تطورها الإجمالي بمرور الوقت سيشكل بنية حزمة موجية معقدة. الطريقة التقليدية هي تحديد الوقت بدقة من لحظة الإثارة، لكن نقطة البداية في هذه الدراسة هي تطبيق نبضة ضوئية ثانية بعد وقت معين، وقياس احتمالية تأين ذرات الهيليوم، أي فقدان الإلكترونات وتصبح أيونات مشحونة، ومن ثم مقارنة نتائج القياس هذه مع النموذج النظري لاستنتاج الوقت الذي انقضى منذ تكوين حالة ريدبيرج.
ويشبه يوهان سودرستروم، قائد فريق البحث، هذه العملية بوضوح بـ "قراءة شريط قياس": ليس عليك أن ترى شخصًا يبدأ في قياس المسافة من علامة الصفر. مجرد إلقاء نظرة على القراءة الحالية ويمكنك معرفة ما إذا كان فرق المسافة من نقطة البداية هو 5 سم أو 4000 متر. في هذه الطريقة، يتطور تراكب حالات ريدبيرج لذرات الهيليوم مع مرور الوقت، تاركًا نمط تغيير فريدًا على العناصر القابلة للرصد - ما يسمى بـ "البصمة" الزمنية، وهو ما يعادل إسقاط تطور حزم الموجات الكمومية في فضاء المراقبة. ومن خلال تحليل هذه البصمة ومطابقتها مع الحسابات النظرية، يمكن للباحثين قراءة "المسافة الزمنية" المحددة مباشرة من توليد الحزمة الموجية إلى لحظة المراقبة ببساطة عن طريق المراقبة ضمن نافذة زمنية محدودة.
وتشير الورقة البحثية إلى أن هذه البصمة الكمومية نفسها لديها أيضًا وظيفة "الفحص الذاتي": حيث يوفر الهيكل التفصيلي لحزمة الموجات التي تتطور بمرور الوقت فحصًا داخليًا للاتساق مع المقياس الزمني المقابل، وبالتالي تحسين موثوقية نتائج القياس. فيما يتعلق بتجارب محددة، جمع الفريق بين المحاكاة النظرية وتقنية التحليل الطيفي الكهروضوئي المُحدد زمنيًا، أي باستخدام شعاعين من نبضات الضوء مع فترات زمنية يتم التحكم فيها بدقة. يتم استخدام شعاع واحد لإثارة ذرات الهيليوم لتشكيل حزم موجة حالة ريدبيرج، ويتم استخدام الشعاع الآخر لطرد الإلكترونات وتسجيل تطور إشارة الإلكترون الضوئي مع مرور الوقت. تتوافق النتائج التجريبية إلى حد كبير مع التنبؤات النظرية، مما يشير إلى أن هذه الطريقة لا يمكنها الحصول على معلومات الوقت فحسب، بل يمكنها أيضًا استنتاج اختلافات دقيقة في الطاقة مثل "العيوب الكمية" في حالة ريدبيرج لذرات الهيليوم، مما يساعد على تعميق فهم البنية الذرية.
استخدم الباحثون مرة أخرى تشبيه شريط القياس: عند تسجيل مسافات قصيرة، لا يلزم قراءة سوى جزء صغير من مقياس الشريط، بينما يتطلب قياس المسافات الطويلة نطاقًا أطول. وفقًا لقياس الوقت، إذا كان الحدث قريبًا جدًا من "نقطة البداية غير المعروفة"، فإن مراقبة بصمات الأصابع في فترة زمنية أقصر تكفي لاستعادة الوقت؛ بالنسبة للتطورات البعيدة عن نقطة البداية، يجب تسجيل بصمات الأصابع في فترة زمنية أطول لضمان مطابقة المقياس الزمني الصحيح. ولذلك، فإن هذه الطريقة ليست عملية قياس واحدة ثابتة، ولكنها تضبط ديناميكيًا كمية البيانات المطلوبة وفقًا لطول الوقت المراد قياسه، مما يوفر حلاً مرنًا للتوقيت الكمي للتجارب على نطاقات زمنية مختلفة.
ومن الجدير بالذكر أن معظم العمل التجريبي لهذه الدراسة تم إجراؤه في منشأة HELIOS التابعة لمختبر أنجستروم أثناء جائحة فيروس كورونا وفي سياق الإغلاق المؤقت لبعض المرافق في جامعة أوبسالا. وفي بيئة مغلقة نسبيًا، تمكن الفريق من التركيز على استخدام الوقت التجريبي للتحقق بشكل متكرر من طريقة بصمة الوقت وتحسينها. بعد إثبات جدوى هذه الطريقة في البداية، اقترح الباحثون أيضًا أنه في المستقبل، من المتوقع أن يتم توسيع هذه الطريقة لتشمل الأنظمة الجزيئية، مثل دراسة عملية التفكك الجزيئي وتأثيرها على حالة ريدبيرج، لتقييم قابلية التطبيق العالمي لهذه التكنولوجيا في الأنظمة الفيزيائية الأكثر تعقيدًا.
على الرغم من أن هذا النهج الجديد قادر من الناحية النظرية على توفير مقياس زمني مطلق، إلا أنه ليس مصممًا ليحل محل الساعات التقليدية المستخدمة في الحياة اليومية. وأوضح فريق البحث أنه أكثر ملاءمة كأداة خاصة في تجارب التحليل الطيفي لمسبار المضخة للسيناريوهات التي يلزم فيها ملاحظة التطور السريع للعملية بدقة زمنية قصيرة للغاية. في مثل هذه التجارب، تؤدي النبضة الأولى إلى إطلاق العملية، وتكون النبضة الثانية مسؤولة عن التقاط "لقطة زمنية". ومع ذلك، غالبًا ما يكون من الصعب تحديد لحظة البداية بدقة أو حتى ملاحظتها بشكل مباشر. من المتوقع أن توفر هذه المجموعة من طرق البصمة الكمومية مقياسًا زمنيًا مطلقًا لهذه العمليات السريعة دون تحديد "نقطة الصفر الزمنية" أولاً.
ومن منظور أوسع، يقدم هذا البحث فكرة جديدة لقياس الوقت بشرط "عدم وجود معلومات عن نقطة البداية"، أي الاعتماد كليًا على تطور الحالة الكمومية نفسها لتشفير وفك تشفير معلومات الوقت، بدلاً من استخدام آليات العد التقليدية. ويشير الباحثون إلى أن هذه الطريقة ليست مناسبة لجميع أنواع قياسات الوقت، لكنها قد تصبح أداة دقيقة للغاية ومكملة ذات مزايا فريدة في المجالات التجريبية حيث يصعب على التقنيات الحالية قفل لحظة البداية بدقة، أو عند دراسة العمليات فائقة السرعة داخل الذرات والجزيئات. وقد تم نشر النتائج ذات الصلة في المجلات الأكاديمية وجذبت انتباه مؤسسات مثل جامعة أوبسالا والجمعية الفيزيائية الأمريكية. ويعتبر بمثابة استكشاف مهم في مسار البحث لقياس الوقت الكمي.