بعد مرور أكثر من 80 عاما على تجربة ترينيتي النووية، التي تعتبر المرة الأولى التي تشهد فيها البشرية قوة القنبلة الذرية، لا يزال العلماء يستخرجون اكتشافات علمية جديدة في بقاياها. ومؤخرًا، أظهر التحليل الأخير للمواد التي خلفها هذا الانفجار النووي التاريخي أنه تم التأكد لأول مرة من وجود بنية بلورية تسمى clathrate في منتجات الانفجار النووي.

في 16 يوليو 1945، أجرت الولايات المتحدة تجربة تفجير لقنبلة بلوتونيوم تحمل الاسم الرمزي "ترينيتي" في صحراء نيو مكسيكو كجزء من مشروع مانهاتن. وأطلقت القنبلة الذرية طاقة تعادل نحو 21 ألف طن من مادة تي إن تي، مما أدى إلى تبخير الهياكل الداعمة الصخرية والمعدنية في مركز الانفجار، وتغليف كمية كبيرة من الرمال المحيطة بها، وخلطها لتشكل "عاصفة ذرية" عنيفة. وفي ظل الظروف القاسية لدرجات الحرارة المرتفعة وعشرات الآلاف من الضغوط الجوية، تم دمج هذه الرمال المنصهرة والطين والمعادن الموجودة في الهيكل الفولاذي الذي يبلغ ارتفاعه 30 مترًا لبرج الاختبار، وعدد كبير من الكابلات النحاسية في لحظة وتبريدها بسرعة، لتشكل في النهاية مادة تشبه الزجاج تسمى "الترينيتيت".

على غرار الكريبتونيت في القصص المصورة، هناك "إصدارات" مختلفة من زجاج ترينيتي: النوع الشائع هو الزجاج الأخضر، في حين أن الزجاج الأحمر الذي يحتوي على نسبة أعلى من النحاس يكون فريدًا بسبب دمج المزيد من المعدن من الكابلات والأقواس النحاسية. وبعد أن تم جمعه كتذكارات من قبل زوار مواقع التجارب النووية، أصبح الزجاج الآن عينة قيمة لدراسة التفاعلات الكيميائية الفريدة في ظل الظروف القاسية.

وفي وقت مبكر من عام 2021، اكتشف فريق بقيادة لوكا بيندي، عالم الجيولوجيا في جامعة فلورنسا في إيطاليا، هيكلًا جديدًا شبه بلوري عشروني السطوح في عينة من زجاج الثالوث الأحمر، الأمر الذي جذب الانتباه. في أحدث الأبحاث، استخدم فريق بيندي تقنيات حيود الأشعة السينية ومسبار الإلكترون لإجراء تحليل متعمق لقطرات صغيرة من زجاج ترينيتي الأحمر الغني بالنحاس. ونتيجة لذلك، تم التعرف على مادة بلورية جديدة تمامًا في المنطقة القريبة من مكان اكتشاف أشباه البلورات سابقًا.

كتب فريق البحث في تقريره الأخير: "لقد أبلغنا عن تشكيل بلورة كلاثرات من النوع الأول غير معروفة سابقًا [الكالسيوم والنحاس والسيليكون] أثناء اختبار ترينيتي النووي. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها التأكد من وجود بنية كلاثرات بلوريًا في المنتج الصلب لانفجار نووي". توجد الكالثرات على نطاق واسع في الطبيعة وتتميز ببنية تشبه القفص في الشبكة البلورية التي يمكنها "احتجاز" الذرات أو الجزيئات الأخرى. على الرغم من أن ترتيبه الهيكلي يختلف عن ترتيب أشباه البلورات غير المنتظمة، إلا أن التركيبة العنصرية للاثنين في زجاج الثالوث متشابهة، مما دفع الباحثين أيضًا إلى التفكير فيما إذا كانت هناك علاقة هيكلية أعمق بين الاثنين.

وأشار فريق البحث إلى أنه بما أن كلا من الكالثرات وأشباه البلورات تتكون من عناصر شائعة في رمال الصحراء وأبراج الاختبار المعدنية، فيمكن استنتاج أن كليهما تشكلا أثناء الانفجارات النووية. ومع ذلك، تظهر النماذج الحسابية المستندة إلى تركيبة العينة أنه في ظل الظروف العادية، لا يمكن أن يوجد هيكل الكالثرات هذا بشكل ثابت إلا عندما يكون محتوى النحاس حوالي 10%، بينما يصل محتوى النحاس الفعلي في زجاج ترينيتي إلى 21%. وهذا يعني أن هذه البلورة "الشبيهة بالقفص" يجب أن تتولد على الفور في وقت قصير جدا عندما ترتفع درجة الحرارة والضغط بشكل حاد ثم تتراجع بسرعة، كما لو كانت "مجمدة" في النافذة اللحظية لـ"غمضة عين" انفجار نووي.

أشارت الدراسة أيضًا إلى أن هذه النتيجة تستبعد إمكانية استخدام "إطار كلاثرات" بسيط لشرح البنية شبه البلورية للثالوث، مؤكدة أن المراحل الغنية بالسيليكون المتولدة في ظل الظروف القاسية لها خصائص هيكلية مستقلة ومتميزة. ويقول العلماء إن مثل هذه البيئات القاسية نادرة للغاية، ويأملون ألا يتمكن البشر من إعادة إنشائها في الواقع من خلال التفجيرات النووية. ولذلك فإن الصخور الزجاجية التي خلفها اختبار الثالوث أصبحت سجلاً تجريبيًا طبيعيًا فريدًا لهذا "الخلق في لحظة الدمار". وقد تم نشر نتائج الأبحاث ذات الصلة في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، مما يوفر منظورًا جديدًا للناس لفهم تطور مورفولوجيا المواد والبنية البلورية في ظل الظروف القاسية.