أظهرت دراسة جديدة أجرتها جامعة كيرتن بالاشتراك مع العديد من التلسكوبات الراديوية حول العالم أن الطاقة التي تحملها نفاثات الثقب الأسود مذهلة للغاية. قوتها يمكن أن تعادل 10000 شمس. اكتسبت النظرية القديمة حول كيفية إعادة تشكيل الثقوب السوداء للبنية واسعة النطاق للكون دعمًا رصديًا مهمًا.

نُشرت الورقة في مجلة "Nature Astronomy". واستهدف الفريق البحثي النظام النجمي الثنائي الشهير بالأشعة السينية "Cygnus X-1"، الذي يحتوي على أول ثقب أسود مؤكد ونجم عملاق ضخم. تظهر نتائج المراقبة أن النفاثات التي ينتجها هذا النظام يمكن أن تنافس طاقة حوالي 10000 شمس من حيث إنتاج الطاقة اللحظية.
ولتحقيق هذا القياس، قام العلماء بربط التلسكوبات الراديوية الموزعة حول العالم لبناء مجموعة مراقبة ذات "فتحة بحجم الأرض" لالتقاط التغيرات الدقيقة في النفاثات خلال الفترة المدارية بدقة زاويّة عالية للغاية. تشير الأبحاث إلى أنه عندما يدور ثقب أسود حول نجم مرافق، فإن الرياح النجمية القوية لهذا العملاق تؤثر بشكل مستمر على النفاثات، مما يتسبب في انحراف اتجاه النفاثات وتأرجح مسارها، على غرار مدى تأثير الرياح القوية على عمود الماء في النافورة.
من خلال التحليل المتزامن لقوة الرياح النجمية وانحراف النفاثات، تمكن الفريق من استنتاج قوة الطائرة على مقياس "في الوقت الحقيقي" لأول مرة، بدلاً من وضع تقديرات متوسطة طويلة المدى فقط تمتد لآلاف السنين كما كان الحال في الماضي. تظهر النتائج أن ما يقرب من 10% من الطاقة المنطلقة أثناء السقوط الداخلي للمادة بالقرب من الثقب الأسود يتم التخلص منها بواسطة النفاثات بسرعة عالية ويتم حقنها في البيئة المحيطة. وتتوافق هذه النسبة إلى حد كبير مع الافتراضات الشائعة الاستخدام في عمليات المحاكاة العددية واسعة النطاق للكون لفترة طويلة، ولكنها كانت تفتقر في السابق إلى التحقق من الملاحظة المباشرة.
توفر الدراسة أيضًا معلمة رئيسية لسرعة الطائرة: يتم قذف المادة النفاثة بسرعة تبلغ حوالي نصف سرعة الضوء، أي حوالي 150 ألف كيلومتر (حوالي 93 ألف ميل) في الثانية، وهي قيمة كان من الصعب تحديدها بدقة لعقود من الزمن. يطلق الدكتور ستيف برابو، المؤلف الأول للورقة البحثية والذي يعمل الآن في جامعة أكسفورد، على هذه النفاثات التي "تدفعها" الرياح النجمية باستمرار اسم "النفاثات الراقصة" لوصف المشهد الديناميكي لاتجاهاتها المتغيرة باستمرار أثناء الحركة المدارية للنجوم الثنائية.
وأشار أحد المؤلفين المشاركين، البروفيسور جيمس ميلر جونز من معهد علم الفلك الراديوي بجامعة كيرتن وفرع كيرتن بالمركز الدولي لأبحاث علم الفلك الراديوي، إلى أن الطرق التقنية السابقة أعطت بشكل أساسي متوسط قوة النفاثات على خط أساس طويل جدًا، والذي كان من الصعب أن يتوافق مع إشعاع الأشعة السينية الناتج فورًا عندما سقطت المادة في الثقب الأسود. في هذه الدراسة، نظرًا لأنهم يستطيعون تتبع درجة انحناء الدفق بواسطة الرياح النجمية بشكل مستمر خلال الفترة المدارية، فقد تمكن العلماء من مقارنة طاقة النفاثة مباشرة مع طاقة الأشعة السينية على نفس المقياس الزمني.

وأكد البروفيسور ميلر جونز أن النظرية بشكل عام تعتقد أن العمليات الفيزيائية بالقرب من الثقب الأسود متشابهة إلى حد كبير في طبيعتها بغض النظر عن كتلة الثقب الأسود، من الثقوب السوداء النجمية إلى الثقوب السوداء فائقة الكتلة. ولذلك، فإن هذا القياس الدقيق للقوة النفاثة لـ "Cygnus X-1" يوفر "مرساة" مهمة لفهم نفاثات الثقب الأسود ذات المقاييس المختلفة، ويمكن استخدامه لمعايرة نماذج مختلفة من نفاثة الثقب الأسود ذات كتل تتراوح بين 10 إلى 10 ملايين ضعف كتلة الشمس.
مع بدء تشغيل جيل جديد من المرافق العلمية الكبيرة مثل التلسكوب الراديوي Square Kilometer Array قيد الإنشاء في غرب أستراليا وجنوب إفريقيا، يتوقع علماء الفلك اكتشاف إشارات نفاثات الثقب الأسود من ملايين المجرات البعيدة. وذكر فريق البحث أنه مع هذا القياس المرجعي لـ "Cygnus X-1"، في المستقبل، عند حساب وتفسير إنتاج الطاقة الإجمالي لهذه العينات الضخمة، سيكونون قادرين على تقييم تأثير ردود الفعل للثقوب السوداء على غاز المجرة المضيفة، وتكوين النجوم، وحتى بنية الكون واسعة النطاق بشكل أكثر دقة.
تشير الأبحاث إلى أن نفاثات الثقب الأسود هي إحدى الآليات الفيزيائية الرئيسية التي تغير البيئة المحيطة وتشكل تطور المجرات. يمكنهم ضخ الطاقة والمادة في الفضاء بين المجرات، أو منع أو تحفيز تكوين جيل جديد من النجوم، وبالتالي لعب دور "منظم" في تاريخ الكون. يضيف قياس القوة باستخدام "النفاثات الراقصة" معيارًا رصديًا قويًا لهذه الصورة العيانية، ومن المتوقع أن يعزز فهم البشرية بشكل أكبر للدور المركزي للثقوب السوداء ونفاثاتها في تطور الكون.