أظهرت دراسة جديدة أجراها المتحف البريطاني أن إنسان النياندرتال الأوائل أتقن تقنية إشعال النار منذ حوالي 400 ألف عام، أي قبل حوالي 350 ألف عام من أول دليل على "إشعال النار" بواسطة الإنسان، والذي كان يعتقده المجتمع الأثري عمومًا في الماضي. ويعتقد فريق البحث أن هذا الاكتشاف يعني أنه قبل وقت طويل من ظهور الإنسان العاقل، كان الأقارب في السلالة البشرية قادرين على "إشعال النيران" في أي وقت عند الحاجة، بدلا من الاعتماد بشكل سلبي على مصادر النار الطبيعية مثل ضربات البرق.

ركزت الدراسة على موقع منجم مهجور للطين في بارنهام، سوفولك، إنجلترا. سجلت الرواسب المحلية الظروف البيئية منذ حوالي 427000 إلى 415000 سنة. اكتشف علماء الآثار "منطقة رواسب حمراء" صغيرة بحجم نار المخيم في الموقع، محاطة بشظايا بيريت و19 قطعة أثرية من الصوان و4 فؤوس حجرية مكسورة. أظهرت جميع هذه الأدوات الحجرية علامات واضحة على ارتفاع درجة الحرارة. نظرًا لأن البيريت نادر للغاية محليًا، فقد خلص الباحثون إلى أن هذه الخامات على الأرجح تم إحضارها عمدًا بواسطة إنسان نياندرتال الأوائل من مواقع أخرى واستخدمت "كأدوات نار" عن طريق ضرب الصوان لإنتاج الشرر.
ومن أجل التأكد مما إذا كانت منطقة الرواسب الحمراء هذه هي من بقايا حرائق الغابات الطبيعية أو بركة نار صناعية، أجرى الفريق عددًا من التحليلات المجهرية والحرارية على الرواسب وأسطح الأدوات الحجرية في المختبر. وأظهرت النتائج أن هذه المنطقة الصغيرة شهدت احتراقًا بدرجة حرارة عالية عدة مرات، وتقدر درجة حرارة بعض عينات الرواسب بأكثر من 750 درجة مئوية، وهي قابلة للمقارنة بدرجة الحرارة التي تصل إليها نار المخيم النموذجية، مما يشير إلى أنشطة إشعال النار واستخدام النار بشكل متكرر، بدلاً من حريق طبيعي لمرة واحدة.
وأشار نيك أشتون، المؤلف المشارك في الورقة البحثية والباحث في المتحف البريطاني، إلى أن البشر الأوائل تطوروا من "التقط النيران" و"إبقاء النيران" خلال الأحداث الطبيعية مثل ضربات البرق وحرائق الغابات إلى القدرة على إنشاء مصادر النار بشكل فعال، وهو ما كان نقطة تحول رئيسية في تاريخ التطور البشري. وقال إن الاعتماد على الحرائق الطبيعية لا يعتمد بشكل كبير على عوامل عرضية مثل الطقس فحسب، بل يتطلب أيضًا تكاليف ومخاطر عالية أثناء الصيانة والهجرة على المدى الطويل. تعلم استخدام البيريت والصوان لخلق الشرر يعني أنه يمكن إشعال النار كلما وأينما دعت الحاجة، وبالتالي تعزيز الاستخدام اليومي للنار.
وأكدت أشتون أن إنسان النياندرتال لم يعرف فقط كيفية العثور على البيريت، وهو نادر للغاية في المنطقة المحلية، بل عرف أيضًا خصائصه "إشعال النار"، وكان بإمكانه اختيار مادة "الاشتعال" المناسبة لإشعال الشرر بعناية. تشير الأبحاث إلى أنه ربما تم استخدام بعض الفطريات الجافة كأداة احتراق فعالة في ذلك الوقت. أظهرت هذه السلسلة من السلوكيات القدرات المعرفية العالية لإنسان النياندرتال الأوائل في الحصول على الموارد والتعرف على المواد والعمليات التشغيلية. وفي رأيه، فإن هذا الإتقان المنهجي لخصائص وإجراءات المواد لا يعكس فقط تقليدًا تكنولوجيًا معقدًا، بل قد يكون موجودًا أيضًا على نطاق أوسع بين مجموعات النياندرتال الأوروبية في ذلك الوقت.
في السابق، كان المجتمع الأثري يعتقد عمومًا أن أقدم دليل مباشر على قيام البشر بإشعال النار بشكل فعال جاء منذ حوالي 50 ألف عام، وقد أدى الاكتشاف في موقع بارنهام إلى دفع هذه المرة إلى الأمام بنحو 350 ألف عام. ولذلك خلص فريق البحث إلى أن القدرة على إشعال النار بشكل فعال تطورت في وقت أبكر من ظهور الإنسان العاقل، ومن المرجح أنها نضجت وتطورت بين إنسان النياندرتال، وربما ظهرت عدة مرات بين مختلف البشر القدماء في شكل انتقال ثقافي أو اختراع مستقل.
تعتقد الدراسات أن القدرة على إشعال النار في أي وقت لم تجلب فقط مزايا واضحة للبشر الأوائل مثل طهي الطعام، والتدفئة، والدفاع ضد الحيوانات المفترسة، ولكنها أيضًا وسعت بشكل كبير من إمكانياتهم في الاستقرار في المناطق الباردة، والأنشطة الليلية، والتفاعلات الاجتماعية. تشير الفؤوس الحجرية الساخنة والمصنوعات المصنوعة من الصوان حول حفرة النار أيضًا إلى أنه من المحتمل أن تكون النار مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمعالجة الأدوات وأنشطة المخيم وحتى الحياة الجماعية. إنها إحدى القوى الدافعة المهمة التي تعزز التقدم التكنولوجي وتعقيد التنظيم الاجتماعي.
وقد نُشرت النتائج ذات الصلة في مجلة "Nature" وتم استكمالها بالاشتراك مع المتاحف البريطانية والمؤسسات الأخرى. وعلق المتحف البريطاني في البيان الصحفي بأن هذا الإنجاز يقدم أول دليل مباشر على "خلق النار النشطة" حتى الآن، ويفتح منظورا بحثيا جديدا لإعادة فهم القدرات التكنولوجية والمستويات المعرفية لإنسان النياندرتال، فضلا عن دور النار في عملية التطور البشري بأكملها.