في عام 1954، اكتشف علماء الآثار ضريحًا مخفيًا في أعماق الأرض في مستوطنة يونانية في بايستوم، جنوب إيطاليا. وعثروا داخل الضريح على عدد من الجرار البرونزية مرتبة حول سرير حديدي. كانت الجرة تحتوي على عجينة شمعية عطرية توحي بشيء قديم وكان سائلًا في السابق. تحتوي الحاويات المغلقة بالفلين والتي تترك آثارًا على سطحها، على سر لزج.

إحدى الغلايات البرونزية اليونانية (أوعية ذات ثلاثة مقابض) وتبقى غامضة على اليمين.

بدافع الفضول، كلفت جمعية أبحاث النحل في لندن مختبرًا ألمانيًا بإجراء التحقيق. والبقايا غير قابلة للذوبان في الماء، ولكن توجد مادة دهنية تشبه الشمع في مذيبات أخرى. كما تم العثور على بعض النباتات والحشرات وحبوب اللقاح، لكن الباحثين يعتقدون أن ذلك بسبب التلوث. ويعتقد البعض أن الطبقة الشمعية الخارجية أضيفت لاحقًا، لإخفاء المكونات الأصلية بالداخل.

بحلول عام 1970، كان الناس ما زالوا يشعرون بالفضول بشأن العجينة الشمعية الغريبة الموجودة في هذه الجرار القديمة الموجودة في بايستوم. أجرى العلماء في المعهد المركزي للترميم في روما اختبارات الذوبان ولم يعثروا على أي آثار للسكر أو البروتين، فقط مواد دهنية مثل الشمع والراتنج. هذا لغز صعب حقا.

وبالتقدم سريعًا إلى عام 1983، انطلق مختبر آخر لحل اللغز. هذه المرة، أكد محللون في غرفة تجارة روما أن المعجون غير قابل للذوبان في الماء ولا يحتوي على أي آثار للسكر أو النشا.

ماذا وجدوا؟ بقايا الدهون الحيوانية أو النباتية والدهون الفوسفاتية، تشير هذه المكونات إلى شيء كان عضويًا في السابق وربما حتى احتفاليًا.

وفي عام 2019، تم إرسال بقايا غامضة من معبد بيستوم إلى متحف أشموليان لاستخدامها في معرض "العشاء الأخير" في بومبي. وهذا ليس مجرد معرض، ولكنه فرصة لمزيد من البحث العلمي المتعمق. مسلحين بالأدوات المتطورة والفضول المكتشف حديثًا، انتهز الباحثون الفرصة لإعادة تحليل التركيب الجزيئي الحيوي للمادة.

وبعد عقود من التكهنات، ألقى باحثون من جامعة أكسفورد نظرة أخرى على البقايا الشمعية التي يبلغ عمرها 2500 عام، واكتشفوا منجمًا أثريًا للذهب. وباستخدام التقنيات الحديثة مثل قياس الطيف الكتلي وتحليل مكونات الجزيئات الصغيرة، وجدوا دليلاً جزيئيًا حيويًا على أن المادة الغامضة كانت في يوم من الأيام عسلًا، على الأرجح في شكله الأصلي على شكل قرص العسل.

واكتشفوا أيضًا السكريات والأحماض العضوية وبروتينات الهلام الملكي في التركيب الجزيئي للبقايا. هذا المظهر الكيميائي مطابق تقريبًا لشمع النحل الموجود اليوم ويشبه بشكل مدهش العسل الحديث. هذه هي النتيجة العلمية للجمع بين الطقوس القديمة والتكنولوجيا الكيميائية المتطورة.

وبدلاً من مجرد خدش السطح، قام فريق البحث بتشريحه طبقة بعد طبقة. واستخدموا مجموعة متنوعة من الأساليب للحصول على فهم شامل للتركيب الجزيئي للبقايا. وقد سمح لهم ذلك بتحديد أي منها كان قديمًا، وأيها كان ملوثًا، وأيها تحلل على مر القرون.

كشف تحليل السطح باستخدام التحليل الطيفي للأشعة السينية الضوئية عن وجود آثار لتآكل النحاس المرتبط بإحكام بالبقايا.

ومن المثير للاهتمام أن النحاس مضاد للميكروبات بشكل طبيعي، ومن المحتمل أن وجوده يحمي جزيئات السكر من التحلل، كما لو أن الطبيعة توفر درعًا وقائيًا للبقايا.

أوضحت كيلي دوموني، مديرة علوم التراث في متحف أشموليان: "استعدادًا لمعرض "العشاء الأخير في بومبي" في متحف أشموليان عام 2019، قام زملاؤنا في حديقة بايستوم وفيرا الأثرية بإعارة العديد من القطع الأثرية المهمة والعالية المستوى، بما في ذلك هيدرا برونزية يونانية من مالك الحزين ومحتوياتها العضوية. لقد أتيحت لنا فرصة نادرة لإعادة تحليل هذه المحتويات باستخدام أدوات الجامعة الحديثة."

وخلال المعرض، استخدم الباحثون العلوم والتكنولوجيا الحديثة "لتجديد" 37 قطعة أثرية تاريخية أخرى. وباستخدام المجاهر وتكنولوجيا الأشعة السينية، نظروا عبر السطح لاكتشاف قصص الكنوز المخبأة تحت السخام والحجم.

ووجدوا علامات حروق في قاع بعض الأوعية. يشير هذا إلى أنه ربما تم طهيها على موقد مفتوح. تشير القشور السميكة الموجودة على الأجزاء الداخلية للأوعية الأخرى إلى أنها ربما كانت تستخدم لغلي الماء، وتعمل بشكل مشابه للغلايات القديمة.

لم يدرس الفريق القطع الأثرية فحسب، بل أعاد أيضًا إحياء الطقوس والحياة اليومية للناس في الماضي، مما يثبت أن رفوف المتحف تحتوي على أكثر من مجرد قطع أثرية مغبرة. إنهم رواة قصص صامتون، ينتظرون أن يتم تفسيرهم.

ويعتقد الباحثون أن هذا العمل سوف يلهم المزيد من إعادة التحليل للمواد القديمة، وخاصة تلك الموجودة في مجموعات المتاحف ذات العينات المحدودة ونتائج الاختبارات المبكرة غير الحاسمة.

ونشر البحث في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية.