تشير دراسة جديدة للكائنات الحية الدقيقة في المياه شديدة الملوحة إلى أن الحياة قد تنجو من ظروف كان يُعتقد سابقًا أنها غير صالحة للسكن. ويوسع هذا البحث إمكانية اكتشاف الحياة في جميع أنحاء النظام الشمسي، ويوضح كيف تؤثر التغيرات في الملوحة على الحياة في الموائل المائية على الأرض.

يعد هذا البحث جزءًا من مشروع تعاوني أكبر يسمى "المحيطات عبر الفضاء والزمان"، بقيادة بريتني شميدت، أستاذ مشارك في علم الفلك في كلية الآداب والعلوم بجامعة كورنيل وأستاذ مشارك في علوم الأرض والغلاف الجوي في هندسة كورنيل. ويهدف المشروع، الممول من برنامج البيولوجيا الفلكية التابع لوكالة ناسا، إلى فهم كيفية تطور عوالم المحيطات والحياة معًا، مما ينتج عنه علامات يمكن اكتشافها للحياة في الماضي أو الحاضر.

قام فريق أبحاث المحيطات، عبر الزمان والمكان، بجمع المياه المالحة من مصنع ملح نانوان خلال رحلته الميدانية الأولى في عام 2019. المصدر: AnneDekas

الدراسة الجديدة التي تحمل عنوان "تحليل الخلية الواحدة في المحاليل الملحية شديدة الملوحة تتنبأ بحدود نشاط الماء للنشاط الابتنائي الميكروبي" نُشرت مؤخرًا في مجلة Science Advances. وتعتمد الدراسة على تحليل النشاط الأيضي لآلاف الخلايا المفردة في المياه المالحة من الأحواض الصناعية على طول ساحل جنوب كاليفورنيا.

تعمل الأبحاث التي أجرتها جامعة ستانفورد على توسيع فهمنا للفضاء الذي يحتمل أن يكون صالحًا للسكن في جميع أنحاء النظام الشمسي والعواقب المحتملة لأن تصبح بعض الموائل المائية على الأرض أكثر ملوحة بسبب الجفاف وتحويل المياه.

وقال شميدت: "توجد البيئات المالحة في جميع أنحاء النظام الشمسي، من المريخ إلى قمر المشتري أوروبا. إن فهم كيفية تفاعل الميكروبات مع هذه البيئة على الأرض والبقاء عليها على قيد الحياة أمر بالغ الأهمية للبحث عن الحياة في مكان آخر".

لقد قام العلماء المهتمون باكتشاف الحياة خارج الأرض بدراسة البيئات المالحة منذ فترة طويلة لأنهم يعرفون أن الماء السائل ضروري للحياة، وأن الملح يسمح للمياه بالبقاء سائلة على نطاق أوسع من درجات الحرارة. كما يحافظ الملح على علامات الحياة، مثل المخللات في الماء المملح.

قام الفريق متعدد المعاهد بجمع عينات من South Bay Salt Works، موطن بعض المياه الأكثر ملوحة على وجه الأرض. لقد ملأوا مئات الزجاجات بمحلول ملحي من برك متفاوتة الملوحة في مصنع الملح وقاموا بتحليل المحلول الملحي.

تتوقف معظم الكائنات الحية الدقيقة عن الانقسام عند مستوى نشاط مائي أقل من 0.9 (كمية المياه المتاحة للتفاعلات البيولوجية للنمو الميكروبي)، في حين أن الحد الأدنى المطلق لمستوى نشاط الماء المُبلغ عنه للحفاظ على انقسام الخلايا في بيئة معملية يزيد قليلاً عن 0.63. توقع الباحثون حدودًا جديدة للحياة، حيث قدروا أن الحياة يمكن أن تكون نشطة عند مستويات منخفضة تصل إلى 0.54.

استخدمت الدراسات السابقة التي تبحث عن حدود نشاط ماء الحياة مزارع نقية للبحث عن النقطة التي يتوقف عندها انقسام الخلايا، مما يمثل نهاية الحياة. ولكن في ظل هذه الظروف القاسية، فإن مضاعفة الحياة تكون بطيئة بشكل مؤلم. إن دراسة انقسام الخلايا لا تحدد متى تموت الحياة؛ في الواقع، قد تكون الخلايا نشطة أيضيًا وتظل نابضة بالحياة حتى لو لم تتكاثر.

وبدلاً من ذلك، اعتبر الباحثون أن حدود النشاط الخلوي هي تعريف أكثر مرونة للحياة، بحجة أن انقسام الخلايا وبناء الخلايا هما من السمات المميزة للحياة.

ومن خلال مئات عينات المحلول الملحي، والتي كان بعضها مالحًا مثل دبس السكر، حددوا مستويات نشاط الماء وكمية الكربون والنيتروجين التي امتصتها الخلايا الموجودة في المحلول الملحي. باستخدام هذه الطريقة، تمكنوا من اكتشاف متى زادت الكتلة الحيوية للخلية، حتى بمقدار النصف (1٪). وفي المقابل، فإن الطرق التقليدية التي تركز على انقسام الخلايا لا يمكنها اكتشاف النشاط البيولوجي إلا بعد تضاعف الكتلة الحيوية للخلية تقريبًا. وبعد ذلك، واستنادًا إلى كيفية تباطؤ العملية مع انخفاض النشاط المائي، توقع العلماء الخط الفاصل عندما تتوقف العملية تمامًا.

تتحدى هذه الدراسة الأفكار السابقة حول حدود نشاط المياه الحية. وبينما تتوقف معظم الكائنات الحية الدقيقة عن الانقسام عند مستويات نشاط مائي أقل من 0.9، تظهر هذه الدراسة أن الحياة تنشط عند مستويات منخفضة تصل إلى 0.54. ومن خلال التركيز على النشاط الخلوي، بما في ذلك بناء الخلايا، يتمكن الباحثون من اكتشاف علامات الحياة في ظروف لا يمكن اكتشافها بالطرق التقليدية.