وترى أحدث الأبحاث أنه على الرغم من أنه ليس من المستحيل من حيث المبدأ تحويل المريخ إلى بيئة مشابهة للأرض، إلا أن حجم الكتلة والحرارة والأكسجين والطاقة المطلوبة يفوق بكثير القدرات التكنولوجية الحالية للبشر، لذلك سيبقى المريخ غير صالح للسكن لفترة طويلة في المستقبل. هذه الدراسة المنشورة في "APS Open Science" كتبها سلافا توريشيف من مختبر الدفع النفاث في الولايات المتحدة. إنه يركز على شرح سبب التباطؤ الشديد في عملية استصلاح المريخ بسبب ظروف العالم الحقيقي.

وتقسم الدراسة عملية تحويل المريخ إلى كوكب صالح للسكن إلى عدة مراحل رئيسية. المريخ حاليا بارد للغاية وله غلاف جوي رقيق. إذا أراد البشر البقاء على السطح، فيجب عليهم الاعتماد على أنظمة دعم الحياة المعقدة. والخطوة التالية هي جعل الضغط الجوي أعلى لفترة وجيزة على الأقل من النقطة الثلاثية للماء، والتي تبلغ حوالي 6.1 مليبار عند درجة حرارة 0 درجة مئوية، بحيث يمكن للمياه أن تتعايش في صورة صلبة وسائلة وغازية في نفس الوقت. ومن الضروري لاحقاً إنشاء بيئة "دفيئة ذات أكمام قميصية" مناسبة للزراعة المحلية أو الإقليمية، الأمر الذي يتطلب عادة الاعتماد على هيكل صوبة واسعة النطاق؛ وإذا امتد هذا النموذج إلى العالم فإنه سيشكل حالة مشابهة لـ "الاحتباس الحراري العالمي" وهو ما يسمى في البحث "paraterraforming".
عندما يستمر الضغط الجوي في الارتفاع، وإذا وصل الضغط السطحي للمريخ إلى 62.7 مليبار، فإن دم الإنسان لن يغلي عند درجة حرارة السطح لأن البيئة شديدة للغاية. يتطلب الاستصلاح الحقيقي أيضًا جوًا قابلًا للتنفس يحتوي على كمية كبيرة من النيتروجين وحوالي 210 مليبار من الأكسجين، مع ضغط هواء إجمالي يبلغ حوالي 500 مليبار. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون درجة حرارة المريخ أيضًا أعلى بكثير من مستويات اليوم.
ولكن الأمر المثير للخوف حقًا هو النطاق المادي وراء هذه الأهداف. ولزيادة ضغط الهواء المريخي بمقدار 1 مليبار فقط، سيتطلب الأمر زيادة قدرها تقريبًا3.89×1015 كجم من الغاز، وهي قريبة من كتلة فوبوس. إذا كنت ترغب في تحقيق جو كامل للتنفس، فأنت بحاجة إلى الاقتراب منه1018 كيلو جرامًا من المادة، أي ما يعادل تقريبًا كتلة قمر زحل غير النظامي يانوس. وأشار مؤلف الدراسة إلى أن هناك بالفعل العديد من الأجرام السماوية ذات الحجم المماثل في النظام الشمسي، لذا من منظور "خلق غلاف جوي لكوكب"، فإن هذه المادة غير موجودة تماما، لكن المشكلة هي أن الإنسان حاليا ليس لديه القدرة على إكمال هذا النقل.
وتشكل درجة الحرارة أيضًا عائقًا كبيرًا. وتقدر الدراسة أنه لكي يصل المريخ إلى متوسط درجة حرارة عالمية عالية بما يكفي لاستقرار الماء السائل، يجب أن ترتفع درجة حرارته بشكل عام بنحو 60 درجة مئوية. ويمكن تصور حلول مختلفة لذلك، مثل حقن الجسيمات النانوية التي تمتص الإشعاع قصير الموجة في الغلاف الجوي، أو إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون. بل إن هناك أفكارًا هندسية لوضع مرايا عملاقة لتركيز ضوء الشمس لتسخين المريخ. لكن حسابات توريشيف تظهر أنه إذا تم اعتماد نظام تسخين المرآة، فإن إجمالي مساحة المرآة المطلوبة سيصل إلى حوالي 70 مليون كيلومتر مربع، وهو ما يتجاوز بكثير القدرات الصناعية الحالية.
ويشكل إنتاج الأكسجين عقبة أخرى. لخلق جو قابل للتنفس، إنتاج تقريبا.8.2×1017 كجم من الأكسجين، والطريقة الأكثر واقعية هي فصل الأكسجين عن الماء. وهذا يعني استهلاك المزيد من المياه لأنه يتم فصل الهيدروجين أثناء عملية التحلل. وبحسب تقديرات الباحثين فإن ذلك يعادل توفير نحو 6 أمتار مكعبة من الماء لكل متر مربع من سطح المريخ.
ومع ذلك، فإن البحث ليس كله كئيبًا وكئيبًا. ويشير المؤلفون إلى أن المريخ لديه بالفعل ما يكفي من الجليد المائي على سطحه بحيث يمكن ترك ما يكفي من الماء لتكوين المحيطات والبحيرات حتى بعد تلبية احتياجات إنتاج الأكسجين. إجمالي كمية المياه المستخدمة لتكوين الغلاف الجوي لا تتجاوز 20% من احتياطيات الجليد السطحية المعروفة والتي يمكن الوصول إليها بسهولة على كوكب المريخ. وهذا يعني أن بعض السيناريوهات المتطرفة - مثل قصف المريخ باستمرار بالمذنبات الحاملة للمياه لتكوين المحيطات والغازات - قد لا تكون ضرورية.
عنق الزجاجة الحقيقي هو الطاقة. وتقدر الدراسات أنه لفصل كمية كافية من الأكسجين عن الماء، على الأقل1.2×1025 جول من الطاقة؛ وحتى لو امتدت على مدى 1000 عام، فإنها تتطلب إنتاجًا مستمرًا يبلغ حوالي 380 تيراواط من الطاقة، وهو ما يقرب من 20 ضعف الاستهلاك العالمي السنوي الحالي من الطاقة للأرض. وخلصت الدراسة إلى أنه يكاد يكون من المستحيل توفير مثل هذا النطاق من الطاقة بالمستوى الحالي للحضارة الإنسانية، لكن الأجيال القادمة قد لا تتاح لها الفرصة على الإطلاق.
لذلك، فإن المسار الواقعي الذي قدمه المؤلف لا يتمثل في محاولة "تحويل المريخ بأكمله إلى الأرض" على الفور، بل يتمثل أولاً في الترويج لأهداف وسيطة أكثر جدوى، مثل بناء دفيئات مغلقة ومناطق معيشة محلية مستقرة. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الحلول لا يزال بعيدًا عن الاستعمار الفعلي للمريخ، إلا أنه على الأقل أقرب إلى ما يمكن تحقيقه باستخدام التكنولوجيا الحالية. الرسالة الشاملة من البحث واضحة: قد يصبح المريخ يومًا ما أشبه بالأرض، لكن هذا سيكون مشروعًا طويلًا ومكلفًا للغاية ويتجاوز القدرات الحالية بكثير.