تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة بورتسموث في المملكة المتحدة أن الانفجار الكبير لم يكن البداية المطلقة لتاريخ الكون. ربما تكون بعض الثقوب السوداء قد تشكلت قبل فترة طويلة من ولادة الكون كما نعرفه ونجت من حدث "الارتداد الكوني". ويطلق فريق البحث على هذه الأجسام الافتراضية اسم "الحفريات الكونية"، ويعتقد أنها ربما لا تزال منتشرة في جميع أنحاء الكون، ومن المتوقع أن تساعد في حل المادة المظلمة، وهي واحدة من أعمق أسرار علم الفلك المعاصر.

يعتقد علم الكونيات التقليدي أنه منذ حوالي 13.8 مليار سنة، انفجر الكون من حالة أولية شديدة الحرارة والكثيفة، وهو ما يسمى "الانفجار الكبير"، ثم تشكل تدريجياً مجرات وهياكل واسعة النطاق. لقد كان هذا النموذج القياسي ناجحًا للغاية في تفسير إشعاع الخلفية الكوني الميكروي وتوزيع المجرات على نطاقات كبيرة، لكنه لا يزال يترك العديد من الألغاز التي لم يتم حلها، مثل: لماذا حدث الانفجار الكبير، ولماذا كان الكون في مثل هذه الحالة "الخاصة" في المقام الأول، وما هي الآلية الفيزيائية التي أدت إلى التضخم المبكر، والهويات الحقيقية للمادة المظلمة والطاقة المظلمة.
وأشار المؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة، البروفيسور إنريكي غازتانياغا من معهد علم الكونيات والجاذبية بجامعة بورتسموث ومعهد علوم الفضاء في برشلونة بإسبانيا، إلى أن هذا العمل يستكشف إمكانية ربط مشاكل صعبة متعددة في نفس الوقت. في هذه الصورة، لم ينشأ الكون من متفردة "انفجارية" واحدة، بل شهد "ارتدادًا كونيًا" من الانكماش إلى التوسع، وفي هذه العملية أنتج تأثير توسع سريع مشابه للتضخم. قد تكون بعض أقدم الهياكل الكونية موجودة قبل الارتداد ومرت خلال مرحلة الارتداد باعتبارها "آثارًا"، مع الاحتفاظ بالمعلومات من العصور الكونية السابقة.
في إطار نظرية النسبية العامة لأينشتاين، عادة ما يرتبط الانفجار الكبير التقليدي بـ«التفرد»: في هذه الحالة المثالية، تقترب كثافة المادة من اللانهاية وتفشل القوانين الفيزيائية الحالية. ينظر العديد من علماء الفيزياء النظرية إلى التفردات على أنها علامة على أن النظريات الحالية قد وصلت إلى حدودها القابلة للتطبيق، وليس كنقطة البداية الميتافيزيقية الحقيقية للكون. في المقابل، يتخيل "علم الكون المرتد" أن الكون بدأ كسحابة ضخمة من المادة، وشهد في البداية انكماشًا بطيئًا، ثم انعكس عندما وصلت الكثافة إلى حالة عالية للغاية ولكنها لا تزال محدودة، وبالتالي تحول من الانكماش إلى التوسع وتجنب التفرد الرياضي اللانهائي.
ويعتقد فريق البحث أن هذا الارتداد الكوني يمكن أن ينتج عن التأثيرات الطبيعية لفيزياء الكم. عندما تكون كثافة المادة عالية للغاية، تنتج التأثيرات الكمومية تأثيرًا شبيهًا بالضغط يمنع المادة من الانضغاط إلى أحجام متناهية الصغر. ولهذه الآلية سوابق في الأجسام الكثيفة مثل الأقزام البيضاء والنجوم النيوترونية. في النموذج الجديد، يمتد هذا النوع من الضغط الكمي إلى نطاق الكون بأكمله: فبينما ينكمش الكون ككل، ستمنع التأثيرات الكمومية المزيد من الانهيار عند كثافة حرجة معينة وتؤدي إلى جولة جديدة من التوسع، بينما تنتج مرحلة توسع سريعة مشابهة للتضخم المبكر.
قد لا توفر هذه الآلية تفسيرًا طبيعيًا للتضخم فحسب، بل قد تكون مرتبطة أيضًا بالتوسع المتسارع للكون الذي نلاحظه اليوم - والذي يُنسب غالبًا إلى "الطاقة المظلمة". تقترح الدراسة أن التأثيرات الكمومية والهياكل الكثيفة الناتجة أثناء الانكماش والارتداد المبكر قد تظهر كجاذبية إضافية أو "مكونات طاقة فعالة" على نطاقات كبيرة، مما يؤثر على التطور اللاحق للكون.
في هذه الرواية للتاريخ الكوني، تلعب الثقوب السوداء دورًا رئيسيًا. تشير الأبحاث إلى أن بعض الثقوب السوداء ربما تكونت عندما كان الكون لا يزال في مرحلة الانكماش، وبقيت سليمة أثناء عملية الارتداد، منتقلة إلى الكون المتوسع الذي نعيش فيه اليوم. ربما يكون جزء آخر من الثقوب السوداء قد تشكل بعد وقت قصير من الارتداد: من شأن تقلبات الكثافة الكبيرة غير الطبيعية في الكون المبكر أن تشكل مناطق عالية الكثافة، مما يجعل من السهل على المادة أن تنهار تحت تأثير الجاذبية، مما يؤدي إلى خلق ثقوب سوداء وغيرها من الهياكل الكونية الكبيرة.
ووفقا لحسابات الفريق البحثي، إذا كانت هناك أجرام سماوية مدمجة كثيفة بدرجة كافية ويبلغ حجمها أكبر من حوالي 90 مترا، فستكون لديها القدرة على النجاة من عملية الارتداد والظهور كـ "آثار" في الجولة الجديدة من توسع الكون. وتشمل هذه الآثار المحتملة اضطرابات الكثافة، والأجسام المدمجة، والثقوب السوداء القديمة. تعتبر الثقوب السوداء مثيرة للقلق بشكل خاص لأنها لا تسجل فقط المعلومات الفيزيائية حول بيئات الجاذبية الشديدة، ولكن قد يكون لها أيضًا تأثير طويل المدى على تكوين وتطور المجرات اللاحقة.
ومن الجدير بالذكر أنه قد تكون هناك علاقة مباشرة بين هذه الثقوب السوداء القديمة الباقية والمادة المظلمة. إذا تم تشكيل عدد كبير بما فيه الكفاية من الثقوب السوداء والحفاظ عليها خلال مرحلة الارتداد للكون، فمن المتوقع أن تشكل جزءًا كبيرًا من المادة المظلمة للكون، وربما تصبح المصدر الكامل للمادة المظلمة. وهذا يوفر مسار تفسير مختلف عن فرضية الجسيمات الجديدة لمشكلة المادة المظلمة التي أزعجت المجتمع الفلكي لفترة طويلة.
قد يوفر النموذج أيضًا أدلة على بعض الحالات الشاذة في الملاحظات الفلكية الحديثة. على سبيل المثال، اكتشف علماء الفلك مجموعة من الأجسام الغامضة تسمى "النقاط الحمراء الصغيرة" في الكون المبكر. يبدو أنها مرتبطة بالثقوب السوداء الهائلة التي نمت بسرعة في بداية الكون، وتتعارض مع الجدول الزمني التقليدي لتكوين البنية. يشير بحث جديد إلى أنه إذا كانت بعض الثقوب السوداء الضخمة "موجود مسبقًا" بعد ارتداد الكون، فإن الكون لم يكن بحاجة إلى البدء من الصفر عند بناء المجرات الأولى، مما يساعد في تفسير سبب ظهور الأجسام والهياكل الكثيفة "الناضجة بشكل غير متوقع" في وقت مبكر جدًا من تاريخ الكون.
ومن أجل اختبار هذا الإطار النظري للارتداد الكوني وبقايا الثقوب السوداء القديمة، اقترح فريق البحث مجموعة متنوعة من أساليب المراقبة المحتملة. أحدهما هو البحث عن "بقايا موجات الجاذبية" من العصور الكونية السابقة. قد تظل هذه التموجات في الزمكان، الناتجة عن الانهيار والارتداد واسع النطاق، حتى يومنا هذا ذات خصائص طيفية محددة. والثاني هو البحث عن بصمات دقيقة في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، والكشف عن الإشارات المتبقية التي قد تأتي من الظروف التي سبقت الانفجار الكبير.
وأكد البروفيسور غاستانياغا أن هذه النظرية لا تزال في مرحلة التطوير، وهناك حاجة إلى الكثير من العمل لتحسين النموذج ومقارنته ببيانات المراقبة الدقيقة المتراكمة. ومع ذلك، إذا مر الكون بالفعل بارتداد، فإن المكونات "المظلمة" التي تشكل المجرات والهياكل واسعة النطاق اليوم - بما في ذلك المظاهر المحتملة للمادة المظلمة وحتى الطاقة المظلمة - من المرجح أن تكون هياكل عميقة خلفت حقبة كونية سبقت الانفجار الكبير.
نُشرت الدراسة، التي تحمل عنوان "آثار الارتداد الكوني: الثقوب السوداء وموجات الجاذبية والمادة المظلمة"، في 24 فبراير 2026، مما يعزز المناقشات المتطورة حول أصل الكون، وطبيعة المادة المظلمة، والتأثيرات الكمومية في بيئات الجاذبية الشديدة.