أعلنت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) مؤخرًا أن المحرك الأيوني التجريبي الجديد الذي يعمل بالطاقة المغناطيسية والبلازما (MPD) المزود بالليثيوم قد تم تشغيله بنجاح في اختبار رئيسي ويعتبر بمثابة اختراق مهم في تكنولوجيا الدفع لمهمات المريخ المأهولة في المستقبل.سيواجه رواد الفضاء الأوائل على سطح المريخ بيئة قاسية للغاية. كل يوم إضافي في الفضاء السحيق سيؤدي إلى تعرض إضافي للأشعة الكونية القاتلة. فالعزلة على المدى الطويل سوف تؤدي إلى تآكل الصحة العقلية، وسوف تستمر الجاذبية الصغرى في إضعاف العضلات والعظام. ولهذا السبب، تستثمر وكالة ناسا الكثير من الطاقة في تطوير أنظمة دفع جديدة يمكنها تقصير زمن الرحلة بشكل كبير، على أمل ضغط الرحلة إلى المريخ إلى عدة أشهر في المستقبل القريب.

يستخدم محرك MPD الأيوني الذي تم الكشف عنه حديثًا الليثيوم باعتباره سائل التشغيل، بقدرة قصوى تبلغ 120 كيلووات وقدرة دفع 25 مرة أقوى من أقوى محرك دفع كهربائي موجود حاليًا في الخدمة في مهام ناسا. ويعتبر خطوة رئيسية نحو رحلة أسرع وأكثر كفاءة إلى الفضاء السحيق. الممثل الحالي هو مسبار Psyche، الذي يطير إلى كويكب معدني. يستخدم مصفوفة شمسية لقيادة محرك أيون الزينون. ويمكن أن تتسارع تدريجياً إلى نحو 200 ألف كيلومتر في الساعة في بيئة لا توجد بها مقاومة جوية، إلا أن الأمر يستغرق أكثر من عامين ونصف ليصعد إلى هذه السرعة.

ومع تكنولوجيا الصواريخ الكيميائية الحالية لوكالة ناسا، سيستغرق الطيران من الأرض إلى المريخ حوالي سبعة أشهر. على السطح، لا يبدو الدفع الأيوني، الذي يعتمد على الدفع المنخفض والتسارع المستمر على مدى فترات طويلة من الزمن، مثاليًا لتقصير زمن الرحلة لأنه يبدأ ببطء ويستغرق أشهرًا للوصول إلى سرعات عالية للغاية. ومع ذلك، تحاول ناسا عكس هذا الانطباع التقليدي عن طريق تغيير الجمع بين مصدر الطاقة وطريقة الدفع.

على عكس مايند، الذي يعتمد على المصفوفات الشمسية لتشغيل محركات أيونات الزينون، تم تصور محرك الدفع MPD الجديد هذا كجزء من نظام الدفع الكهربائي النووي الذي سيوفر طاقة كهربائية عالية الطاقة من مفاعل نووي، مما يسمح للمركبة الفضائية بالحفاظ على مستويات دفع أعلى بكثير من الدفع الكهربائي الحالي لفترات طويلة من الزمن في الفضاء السحيق. وتعتقد ناسا أنه من المتوقع أن يؤدي هذا المزيج من "الطاقة النووية + MPD" إلى زيادة السرعة بشكل كبير بنفس كتلة الوقود الدافع أو أقل، وبالتالي تقصير رحلة مهمة المريخ المأهولة.

يعود تاريخ مفهوم الدفع MPD إلى الستينيات، ولكن لم يتم تسويقه تجاريًا بعد في الفضاء، حيث تتمثل العقبة الرئيسية في متطلبات الطاقة الضخمة، والتي تتجاوز بكثير قدرات الطاقة للمصفوفات الشمسية. يعد هذا مكملاً من الناحية التكنولوجية لمشروع الدفع النووي الذي أعلنت عنه وكالة ناسا مؤخرًا "Space Reactor‑1 Freedom": يخطط هذا المشروع لاستخدام محرك أيوني تقليدي مع سائل عمل الزينون في مهمة أخرى، ويمثل MPD الخطوة التالية نحو قوة أعلى ودفع أعلى.

تعتمد المحركات الأيونية التقليدية عادة على المجالات الكهروستاتيكية لتسريع الجسيمات المشحونة المفردة (معظمها أيونات الزينون) وتفريغها من الفوهة للحصول على قوة رد الفعل. يتفاعل محرك MPD مع المجال المغناطيسي والتيار العالي لتسريع البلازما كهرومغناطيسيًا. يستخدم هذا النموذج على وجه التحديد بخار معدن الليثيوم، والذي يتأين إلى بلازما الليثيوم داخل المحرك ثم يتم إخراجه لتحقيق الدفع.

في 24 فبراير من هذا العام، أجرت وكالة ناسا اختبار اشتعال حاسم على محرك MPD هذا باستخدام غرفة مفرغة خاصة مجهزة بنظام تبريد الماء في مختبر الدفع الكهربائي التابع لمختبر الدفع النفاث (JPL) في جنوب كاليفورنيا. أثناء الاختبار، قام المهندسون بتشغيل المحرك خمس مرات، ومراقبة قطب التنغستن المركزي وهو يتوهج عند درجات حرارة تزيد عن 2800 درجة مئوية (حوالي 5000 درجة فهرنهايت). وتشير البيانات إلى أن هذا المحرك الجديد وصل بنجاح إلى مستوى طاقة أقصى قدره 120 كيلووات في الاختبار، وهو ما يزيد 25 مرة عن الدافع الكهربائي الذي يستخدمه "سايكيك".

وقال مدير ناسا، جاريد إسحاقمان، في بيان له، إن الوكالة لم "تغفل أبدًا عن المريخ" أثناء قيامها بمهام متعددة بالتوازي. وأكد أن نجاح هذا الاختبار يعني "خطوة جوهرية" نحو إرسال رواد فضاء أميركيين إلى المريخ. كما أنها المرة الأولى التي تسمح فيها الولايات المتحدة لنظام الدفع الكهربائي بالعمل بشكل مستمر بمستوى طاقة مرتفع يبلغ 120 كيلووات. وستواصل ناسا القيام "باستثمارات استراتيجية" لإرساء أساس تكنولوجي متين للقفزة العظيمة القادمة للبشرية.

تعتقد ناسا أنه من المتوقع أن يصل محرك MPD هذا إلى مستوى طاقة 1 ميجاوات في الاختبارات المستقبلية. وفقًا لتقديرات الوكالة الداخلية، قد تتطلب مهمة مأهولة نموذجية إلى المريخ طاقة إجمالية تتراوح من 2 إلى 4 ميجاوات، مما يعني أن المركبة الفضائية النهائية من المحتمل أن تحتوي على محركات MPD متعددة تعمل بالتوازي والتوازي. في هذه العملية، ستكون كيفية ضمان التشغيل الموثوق على المدى الطويل للأجهزة في بيئات ذات درجات حرارة عالية جدًا وتخفيف تآكل الأقطاب الكهربائية، وهي مشكلة نموذجية لتقنية MPD، من التحديات الرئيسية التي يجب على الفريق الهندسي التغلب عليها.

في الوقت الحاضر، بعد عامين من التصميم والبناء، أصبح فريق البحث والتطوير راضيًا عن نتائج الجولة الأولى من الاختبارات ويعتقد أنه عبر "العتبة الكبيرة" الأولى على طريق الهندسة. وقال جيمس بولك، عالم الأبحاث البارز في مختبر الدفع النفاث، إن الاختبار لم يثبت أن المحرك يمكن أن يعمل بشكل طبيعي فحسب، بل نجح أيضًا في تحقيق هدف الطاقة المحدد مسبقًا ووضع أساس منصة اختبار موثوقة للاختبارات اللاحقة واسعة النطاق.

ومن منظور أكبر، تكمن ميزة تكنولوجيا الدفع الكهربائي في كفاءتها العالية للغاية في استخدام الوقود الدفعي، والتي يمكن أن تقلل من استهلاك الوقود الدافع بحوالي 90% مقارنة بالصواريخ الكيميائية التقليدية. من الناحية النظرية، فإن الجمع بين نظام الدفع MPD عالي الطاقة والطاقة النووية يمكن أن يوفر لمركبات الفضاء السحيق متوسط ​​دفع أعلى وأوقات طيران أقصر دون زيادة الكتلة الإجمالية بشكل ملحوظ. قد يصبح هذا أحد التقنيات الرئيسية لأول رحلة مأهولة للبشرية إلى المريخ، مما يوفر لرواد الفضاء وقتًا ثمينًا لتقليل المخاطر الصحية الناجمة عن الإشعاع وانعدام الوزن على المدى الطويل.

لم تعلن وكالة ناسا بعد عن جدول زمني لدفع MPD في مهمات مأهولة محددة، ولكن هذا الاختبار الأرضي عالي الطاقة يعتبر علامة فارقة مهمة في "خطوة واحدة نحو المريخ". وفي سياق تنافس العديد من الدول على التخطيط لخطط المريخ المأهولة، إذا تمكنت هذه التكنولوجيا الجديدة من الخروج بنجاح من المختبر والدخول في مهام فعلية، فمن المتوقع أن تغير النطاق الزمني لاستكشاف الإنسان للفضاء السحيق.