يستعد مسبار الفضاء السحيق "سايكي" التابع لناسا لإجراء تحليق جريء قريب من المريخ. وسوف يستخدم تأثير "المقلاع" لجاذبية المريخ للتسارع نحو أحد الكويكبات المعدنية الأكثر غرابة في النظام الشمسي - الكويكب الذي يحمل نفس الاسم "Psyche". وفي يوم الجمعة 15 مايو بالتوقيت الشرقي، سيمر المسبار على ارتفاع حوالي 2800 ميل فقط (حوالي 4500 كيلومتر) من سطح المريخ بسرعة حوالي 12300 ميل في الساعة (حوالي 19800 كيلومتر). ومن خلال تغيير مسار طيرانه وزيادة سرعته، سيوفر دفعة رئيسية للرحلة الطويلة إلى حزام الكويكبات الرئيسي.
وتم إطلاق مسبار "لينغشين" في 13 أكتوبر 2023. ويعتمد على الدفع الكهربائي الشمسي وغاز الزينون لمواصلة التسارع ببطء، وزيادة سرعته تدريجيا خلال المهمة التي تستغرق عدة سنوات. ومن خلال مساعدة جاذبية المريخ، يمكن لفريق المهمة توفير استهلاك الوقود بشكل كبير مع الحصول على تغييرات كافية في السرعة والميل المداري لتمكين المسبار من الوصول إلى الكويكب المستهدف في السنوات اللاحقة. لا يعد هذا النوع من التحليق بالقرب من الكواكب رابطًا رئيسيًا في تصميم المدار فحسب، بل يوفر أيضًا للمهندسين والعلماء فرصة قيمة لاختبار ومعايرة نظام التحكم في الطيران والحمولة العلمية بشكل شامل قبل الوصول إلى الهدف النهائي.
وخلال التحليق المرتقب، يخطط فريق مهمة "سايكيا" لاستخدام جهاز التصوير متعدد الأطياف لإجراء آلاف عمليات رصد المريخ للحصول على بيانات صورية والطيفية للتحقق من أداء نظام التصوير وتحسين استراتيجيات المراقبة اللاحقة في مدار الكويكب. وقد بدأ المسبار بإرسال الصور قبل التحليق. في الدفعة الأولى من الصور "الخام" التي تم إصدارها منذ 7 مايو، لا يزال المريخ مجرد ضوء خافت في السماء البعيدة المرصعة بالنجوم. سيقوم المهندسون اللاحقون بمعالجة عدد كبير من الصور التي تم التقاطها أثناء التحليق عن طريق ضبط السطوع والتباين، ومن المتوقع أن ينتجوا تسلسلًا زمنيًا يوضح عملية التحليق القريبة بأكملها في الأسابيع القليلة المقبلة.

من أجل ضمان التنفيذ الدقيق للتحليق، أجرى فريق المهمة مناورة تصحيح المدار في 23 فبراير. تم إطلاق المسبار بشكل مستمر لمدة 12 ساعة تقريبًا، مما أدى إلى ضبط مدار الرحلة وزيادة السرعة قليلاً حتى يتمكن من الطيران من الارتفاع المحدد مسبقًا كما هو مخطط له عند وصوله إلى المريخ في مايو. وقالت سارة بايرستو، رئيسة تخطيط المهمة، إن فريق التحكم في الطيران قام بكتابة جميع العمليات التي يحتاج الكاشف إلى إجرائها طوال شهر مايو في كمبيوتر الرحلة. "هذه المرة لا يمكننا فقط معايرة الكاميرا بهدف أكبر بكثير من "بضعة بكسلات" أثناء الطيران لأول مرة، ولكن أيضًا السماح للأدوات العلمية الأخرى بالمشاركة في المراقبة".
وبما أن "النفسية" تقترب من الجانب الليلي للمريخ، فإن مظهر المريخ الذي يراه المسبار سيكون مختلفا عن "القرص الأحمر الكامل" المألوف لدى الجمهور على الأرض. وبحسب وصف جيم بيل، قائد مصور المهمة، فإن المسبار يقترب من المريخ عند "زاوية طور" عالية للغاية، أي "يلحق بالكوكب من الجانب الليلي، ولا يمكن رؤية سوى هلال رفيع بالكاد تحدده أشعة الشمس". وقبل وبعد التحليق، سيرى المسبار أولا "هلالا مريخيا" رفيعا. وبعد التحليق، ستتاح له الفرصة لالتقاط منظر قريب من "المريخ الكامل". ولا يؤدي هذا إلى معايرة نظام التصوير فحسب، بل من المتوقع أيضًا إنتاج مجموعة من الصور المزخرفة للغاية.
ويهتم العلماء أيضًا باستغلال هذه الفرصة للكشف عن حلقات الغبار الباهتة التي قد تكون موجودة حول المريخ. تتكهن الأبحاث أنه عندما يتعرض القمران الصناعيان الصغيران للمريخ - فوبوس (فوبوس) وديموس (ديموس) - لضربات النيازك الدقيقة بشكل مستمر، فإنهما قد يقذفان جزيئات الغبار الدقيقة إلى الفضاء ويشكلان "حلقة" غبارية رقيقة أو "سحابة حلقية" بالقرب من مدار المريخ. إذا كانت زاوية الإضاءة مناسبة أثناء التحليق، فمن المتوقع أن يتم الكشف عن هذه الغبار أثناء معالجة بيانات التصوير بواسطة "النجم الروحي"، مما يوفر أدلة جديدة لفهم القمر الصناعي المريخي الصغير وبيئته الدقيقة.

إن هذا التحليق ليس مجرد تجربة تصوير، ولكنه أيضًا تمرين مراقبة شامل متعدد التخصصات. ومن المتوقع أن يسجل مقياس المغناطيسية الموجود على المسبار التفاعل بين المجال المغناطيسي المريخي والجسيمات المشحونة القادمة من الشمس، في حين سيراقب مقياس أشعة جاما ومطياف النيوترونات التغيرات في تدفق الأشعة الكونية أثناء التحليق، مما يؤدي إلى تراكم الخبرة للكشف اللاحق عن الجسيمات عالية الطاقة والمواد السطحية في مدارات الكويكبات. بالإضافة إلى ذلك، سيقوم جهاز التصوير أيضًا بوضع "البحث عن الأقمار الصناعية" وإجراء تمارين مراقبة مشابهة لـ "البحث عن الأقمار الصناعية الصغيرة" حول المريخ من أجل البحث بشكل أكثر كفاءة عن الأقمار الصناعية الصغيرة المحتملة بعد الوصول إلى كويكب "سايكي".
وعلى الرغم من أن المكاسب العلمية واعدة، إلا أن فريق المهمة أكد أن الغرض الأساسي من هذا التحليق لا يزال "استعارة طاقة المريخ". وكما قالت ليندي إلكينز تانتون، الباحثة الرئيسية في المشروع، فإن السبب الأساسي للتحليق بالقرب من المريخ هو "الحصول على القليل من المساعدة من المريخ، وتسريع الرحلة وإمالة المدار في اتجاه الكويكب سايكي". إذا كان من الممكن إكمال اختبار الأجهزة ومعايرتها بنجاح على هذا الأساس، فسيكون ذلك بمثابة "الزينة على الكعكة".
أثناء التحليق، سيتتبع مركز التحكم في المهمة عن كثب الإشارات اللاسلكية التي ترسلها "سايكي" عبر شبكة الفضاء السحيق التابعة لناسا (DSN) لتقييم تأثير التحليق بدقة. سوف تنعكس التغييرات الطفيفة في سرعة الكاشف في تحول تردد دوبلر لإشارة الراديو. وبناءً على ذلك، يمكن للمهندسين عكس معلمات المدار الجديد بسرعة بعد التحليق والتأكد مما إذا كان الكاشف قد اتجه بدقة نحو حزام الكويكبات الرئيسي. من خلال عمليات الرصد المشتركة مع المريخ في المدار والمكتب الأرضي، يأمل الفريق أيضًا في تحسين قياس المدار واستراتيجيات الملاحة لمهمات الفضاء السحيق المستقبلية خلال العملية المدعومة بالجاذبية الكوكبية.
سيتم التنسيق بين المركبات الفضائية المتعددة التي تعمل حاليًا بالقرب من المريخ لدعم هذه العملية. وتشمل هذه المركبات "Mars Reconnaissance Orbiter" (MRO) التابعة لناسا، والمركبة المدارية "Mars Odyssey"، ومركبتي المريخ الجوالتين "Curiosity" و"Perseverance" اللتين تعملان على سطح المريخ. كما ستشارك مركبة "Mars Express" و"ExoMars Trace Gas Orbiter" التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في عمليات الرصد والقياسات. ويخطط العلماء لمقارنة بيانات المراقبة التي حصل عليها "Lingshen" أثناء تحليقه مع البيانات المتراكمة على مر السنين من خلال البعثات الحالية إلى المريخ لزيادة تحسين معايرة أدوات "Lingshen" العلمية ومساعدة المسابير المستقبلية القريبة من المريخ على تصميم حلول الاتصالات والملاحة بشكل أفضل.
وبحسب خطة المهمة، سيواصل المسبار "سايكي" الاندفاع نحو الخارج نحو حزام الكويكبات الرئيسي بعد تعزيزه بجاذبية المريخ. ومن المتوقع أن يصل إلى الكويكب المعدني الذي يحمل اسمه بحلول نهاية عام 2029 ويدخل مداره، ليطلق تحقيقًا طويل الأمد حول التركيب الداخلي والتاريخ التطوري لهذا الجسم السماوي النادر. وباعتبارها أول مهمة استكشاف كويكب مع المعادن كهدف بحثي رئيسي لها، من المتوقع أن تكشف "سايكي" عن بقايا قديمة تشبه النوى الكوكبية، مما يوفر نافذة غير مسبوقة للبشر لفهم عملية تكوين الكواكب الأرضية وتطور النظام الشمسي المبكر.