عندما يقف الناس على حافة منحدر أو على سطح المراقبة في مبنى شاهق، لا يشعر الكثير من الناس بالذعر على الفور، ولكنهم يلاحظون أولاً شعورًا غريبًا في باطن أقدامهم: ليس خدرًا ولا وخزًا، ولكنه أشبه بـ "إحساس بالحضور" متضخم فجأة، كما لو أن باطن أقدامهم "يطن" قليلاً. لفترة طويلة، اعتقد الكثير من الناس أن هذا كان أمرًا خاصًا بهم، لكن الأبحاث تظهر أن حوالي ربع الأشخاص سيشعرون بعدم الراحة الكبيرة عند المرتفعات، وفي البيئات التجريبية، ستواجه الغالبية العظمى من الناس تغيرات قابلة للقياس في توازن أجسادهم ووضعيتهم عندما يواجهون اختلافات في الطول.

Balance_height_dangerous_courageous_crazy_dizziness_no_fear_of_heights_gorge_road-1191566.jpg

ومن وجهة نظر علم الأعصاب، فإن هذا الشعور ليس "غير عقلاني"، ولكنه تعديل تلقائي دقيق لنظام توازن الجسم البشري. عند الارتفاع، يغير الجهاز العصبي استراتيجية التحكم المستخدمة للحفاظ على التوازن: يتم "رفع" المدخلات الحسية من القدمين، وتصبح العضلات الوضعية المسؤولة عن إبقاء الجسم مستقيماً ومستقرًا أكثر صلابة قليلاً، وتميل الحركات الإجمالية إلى أن تكون حذرة ومنضبطة. هذا جزء من استقبال الحس العميق - أي الإدراك الداخلي للجسم لوضعه ووضعيته في الفضاء. وهو يختلف عن الوصف المرئي لموضع الأشياء الخارجية، ولكنه يركز على "أين وكيف تقف".

وعند الاقتراب من الحافة المعلقة، يبدأ الدماغ في الاعتماد بشكل أكبر على الإشارات الواردة من القدمين، وهو ما يعادل "رفع مستوى الصوت من باطن القدمين". حتى تغيرات الضغط الدقيقة للغاية بين القدمين والأرض واهتزاز الجسم الطفيف سيتم تضخيمه، وسيصبح تحكم الجسم أكثر إحكامًا وأكثر تعمدًا. وهذا يختلف عن الدوار بالمعنى التقليدي: يحدث الدوار في الغالب بسبب اضطرابات في الأذن الداخلية أو المسارات المرتبطة بها، والتي يمكن أن تؤدي إلى الوهم بأن العالم يدور؛ والشذوذ في باطن القدمين في الأماكن المرتفعة يشبه إلى حد كبير كون الجسم "مثبتًا بعناية أكبر في مكانه" بدلاً من تحرك العالم المحيط به.

ومن المثير للاهتمام أن هذا التعديل يحدث للجميع تقريبًا، ولكن لا يلاحظه الجميع. بالنسبة لمعظم الناس، تتم هذه العملية بهدوء في خلفية الجهاز العصبي ولا تدخل إلى المستوى الواعي؛ بالنسبة للآخرين، سيتم "دفع إشارة القدم المضخمة هذه إلى المقدمة" وتصبح شعورًا واضحًا ومربكًا.

وسبب وجود القدم هو أن القدم هي الجزء الرئيسي من الجسم الذي يتصل بالأرض وهي أيضًا من أكثر النوافذ الحسية كثيفة المعلومات. الجلد الموجود في باطن القدم مغطى بمستقبلات حسية متخصصة، بما في ذلك خلايا ميركل التي تستشعر الضغط المستمر، وجسيمات مايسنر الأكثر حساسية لللمسات الخفيفة والتغيرات الطفيفة، وجسيمات باتشيني الحساسة للغاية للاهتزازات وتغيرات الضغط السريعة، والتي تتوافق على التوالي مع أنواع مختلفة من الضغط والتمدد ومعلومات الحركة. في الظروف العادية، تعمل هذه المستقبلات بصمت، مما يساعد الأشخاص على الوقوف والمشي وتغيير أوزانهم دون تفكير؛ ولكن عند الاقتراب من حافة مكان مرتفع، فإن المساحة المتاحة للجسم لارتكاب الأخطاء تضيق فجأة، وكل تحول غير مقصود في الوزن من الكعب إلى أخمص القدمين له القدرة على إحداث عواقب أكبر.

استجابة لهذا الوضع "المخاطر المتزايدة"، سيزيد الجهاز العصبي من "اكتساب" إشارة القدم، تمامًا مثل زيادة حساسية المستشعر. في هذا الوقت، سيقدم الشعور بباطن القدم تجارب ذاتية مختلفة تمامًا لأفراد مختلفين: سيصفه البعض بأنه طنين أو خدر، وسيشعر البعض أن أقدامهم أصبحت أثقل، كما لو كانت "ممتصة" بقوة أكبر على الأرض؛ سوف يرغب الآخرون غريزيًا في تجعيد أصابع قدميهم أو تمديد وقفتهم دون وعي على نطاق أوسع. ويشعر آخرون فقط بإحساس طفيف بعدم الاستقرار، أو الرغبة في الوقوف ساكنين، أو شعور لا يمكن تفسيره بالمقاومة عند المضي قدمًا.

لماذا تكون نفس الارتفاعات، ونفس التعديل العصبي، واضحة جدًا للبعض وغير محسوسة تقريبًا للبعض الآخر؟ ويرجع ذلك جزئيًا إلى كيفية تصفية الدماغ للمعلومات الحسية ومعالجتها. يتم إنتاج إشارات القدم لدى كل من يقف على الحافة تقريبًا، ولكن ليس جميعها "تقتحم" الوعي بنجاح: يقوم الدماغ بتصفية المدخلات باستمرار، ويحتفظ فقط بما يعتبره الأكثر أهمية في الوقت الحالي. بالنسبة لبعض الأشخاص، تكون بوابة الترشيح هذه "فضفاضة" أكثر، ويمكن السماح بسهولة أكبر بمرور تغيرات الضغط الدقيقة والاهتزاز الطفيف والأنشطة العضلية ذات الصلة من باطن القدم، بحيث يمكن إدراكها بإحساس حسي جسدي واضح؛ بالنسبة للآخرين، تتم معالجة هذه المعلومات تلقائيًا ولا يتم الاحتفاظ بها أبدًا في الوعي الذاتي.

يؤثر الانتباه أيضًا على هذه التجربة: بمجرد أن يبدأ شخص ما في ملاحظة شيء غريب على باطن قدميه، سيكون الدماغ أكثر ميلًا لالتقاط نفس النوع من الإشارات مرة أخرى في المستقبل، مما يشكل دورة "كلما انتبهت إليه أكثر، أصبح أكثر وضوحًا". بالإضافة إلى ذلك، يختلف الأفراد أيضًا في حساسيتهم للمس والإحساس بالوضعية. يكون بعض الأشخاص أفضل بشكل طبيعي في التمييز بين التغييرات الطفيفة في اللمس والوضعية، ولديهم نظام استقبال أكثر حساسية. بالنسبة لهؤلاء الأفراد، يتم تضخيم الضبط الدقيق لاستراتيجيات التحكم في التوازن عند الارتفاع إلى مشاعر ذاتية أكثر وضوحًا.

ولا يمكن تجاهل العوامل الظرفية أيضًا: فالإرهاق، أو الضغط المتزايد، أو البيئة المحيطة غير المألوفة يمكن أن تجعل هذا التغيير في الحس العميق ملحوظًا بسهولة أكبر. لذلك، فإن هذا الشعور "بالطنين" في باطن قدميك ليس أمرًا غير شائع. ما يحدد حقًا ما إذا كنت "تشعر به" هو الطريقة التي يقوم بها دماغك بتصفية وتضخيم وتفسير الإشارات التي يرسلها في تلك اللحظة. بمعنى آخر، سواء لاحظت ذلك بوعي أم لا، عندما تقف في مكان مرتفع، يقوم جسمك بتنشيط برنامج التعديل العصبي نفسه بهدوء تقريبًا: بالنسبة لبعض الأشخاص، يكون هذا مجرد حماية أمان تعمل في الخلفية؛ بالنسبة للآخرين، فهي إشارة جسدية غريبة، ولكنها معقولة تمامًا، تذكرك بوضوح بالارتفاع الذي أنت فيه.