غالبًا ما يفكر الناس في "وضع البرق في الزجاجة" باعتباره استعارة خيالية، ولكن نادرًا ما يتخيلون ما يمكن فعله بعد ذلك إذا تم تنفيذه بالفعل. الآن، لم يكتف الباحثون في جامعة نورث وسترن "باحتجاز البرق" في المختبر، بل استخدموه لإنتاج وقود أنظف، وهو الميثانول. ويستخدمون البلازما الموجودة في الأنابيب الزجاجية لتحويل الميثان مباشرة إلى ميثانول، مما يقلل بشكل كبير من اعتماد العمليات التقليدية على الطاقة وظروف العمل القاسية.

الميثانول مادة كيميائية أساسية ذات نطاق واسع من الاستخدامات. وهو مادة خام مهمة لبعض المواد البلاستيكية والأحماض، ويمكن استخدامه كوقود نظيف للسيارات والسفن ومواقد الطهي. كما أنها تستخدم على نطاق واسع في المذيبات الصناعية ومعالجة مياه الصرف الصحي. ومع ذلك، فإن المسار الرئيسي الحالي لإنتاج الميثانول في الصناعة مستهلك للطاقة ومعقد للغاية، ونقطة البداية هي أيضًا غاز الميثان. في العملية التقليدية، يتم تكسير الميثان أولاً إلى ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين في بخار ماء عالي الحرارة عند حوالي 800 درجة مئوية، ثم يتم إعادة دمجه من خلال تفاعل تحفيزي لتوليد جزيئات الميثانول في جهاز آخر عند ضغط مرتفع يبلغ حوالي 200 إلى 300 ضغط جوي. على الرغم من أن تكنولوجيا هذا الطريق ناضجة، إلا أن الحفاظ على درجة الحرارة والضغط المرتفعين يستهلك الكثير من الطاقة وينبعث منه كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يتعارض مع المتطلبات الصارمة المتزايدة للحد من الانبعاثات.

لقد كان المجتمع العلمي يبحث عن بديل أبسط وأقل استهلاكا للطاقة، ولكن إنتاج الميثانول في حد ذاته يمثل طبقة أخرى من الصعوبة. من المؤكد أنه ليس من السهل تحلل الميثان في ظل ظروف قاسية. حتى لو تم إنتاج الميثانول بنجاح، فإن جزيئات الميثانول نفسها تكون شديدة التفاعل ويمكن أن تستمر بسهولة في التفاعل وتتأكسد بشكل أكبر إلى ثاني أكسيد الكربون. وهذا يعني أن العملية لا يجب أن "تفكك" الميثان فحسب، بل يجب أيضًا "الضغط على المكابح" في الوقت المناسب لإنهاء عملية التفاعل في الوقت المناسب، وهو أمر ليس من السهل تحقيقه في الهندسة.

واستجابة لهذين التحديين الرئيسيين، اقترح فريق جامعة نورث وسترن نظامًا جديدًا يمكن تسميته "البرق في الزجاجة". بدلًا من الاعتماد على درجات الحرارة والضغوط القصوى، يستخدم الباحثون نبضات كهربائية قصيرة وعالية الطاقة في مفاعل مملوء بالماء لتكوين البلازما - وهي حالة عالية الطاقة من المادة تشبه البرق - في أنبوب زجاجي. داخل المفاعل، يتم تمرير غاز الميثان إلى أنبوب زجاجي مسامي، ويتم تحميل سطح جدار الأنبوب بمحفز أكسيد النحاس؛ عند تطبيق نبض كهربائي عالي الجهد، يتحول الغاز الموجود في الأنبوب على الفور إلى بلازما، مما يتسبب في تفكك جزيئات الميثان والماء في نفس الوقت لتشكيل شظايا شديدة التفاعل.

سوف تتحد هذه الأجزاء مرة أخرى في وقت قصير جدًا لتكوين الميثانول، وسوف يقوم الماء الموجود في المفاعل "بإذابة" الميثانول الناتج على الفور. وأشار فريق البحث إلى أن هذا الامتصاص السريع أمر بالغ الأهمية، وهو ما يعادل "تجميد" التفاعل في عقدة مثالية لمنع استمرار أكسدة الميثانول إلى ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي بشكل أساسي إلى تجاوز مشكلة التفاعل الزائد التي لا يمكن تجنبها في العمليات التقليدية.

ولتحسين الكفاءة بشكل أكبر، قام الفريق أيضًا بإدخال غاز الأرجون إلى النظام. يعتبر الأرجون خاملًا كيميائيًا للغاية في الظروف العادية، ولكنه يشارك في بيئة البلازما في التفاعلات التي تساعد على استقرار عملية التفريغ وقمع التفاعلات الجانبية غير المرغوب فيها. في ظل ظروف التشغيل هذه، يتم تحسين انتقائية النظام للميثانول بشكل كبير، بينما يتم أيضًا إنتاج كمية صغيرة من المنتجات الثانوية القيمة، مثل الهيدروجين والإيثيلين.

وقال داين سويرر، المؤلف المشارك في الدراسة، إنه بالإضافة إلى الميثانول، أنتج النظام أيضًا الإيثيلين والهيدروجين، بالإضافة إلى كمية صغيرة من البروبان، وهي في حد ذاتها مواد كيميائية أو وقود عالي القيمة. يعتبر الإيثيلين مونومرًا مهمًا لإنتاج البلاستيك، والهيدروجين هو مادة كيميائية أساسية كبيرة ووقود خالٍ من الكربون. وأكد: "استخدمنا غاز الميثان بكميات وفيرة جداً مقابل الميثانول والإيثيلين والهيدروجين وكمية قليلة من البروبان. وهذه المنتجات بحد ذاتها ذات قيمة اقتصادية أكبر".

وبشكل عام، يُنظر إلى هذه التكنولوجيا على أنها خطوة مهمة إلى الأمام في مجال إنتاج الميثانول. أولاً، إنه يلغي بشكل أساسي الحاجة إلى درجات الحرارة والضغوط القصوى، مما يقلل بشكل كبير من تكاليف الإنتاج واستهلاك الطاقة والبصمة البيئية. ثانيًا، تعمل العملية الجديدة على ضغط العملية الأصلية المتعددة المراحل والمعقدة في تفاعل تقريبي من خطوة واحدة: يتم تحويل الميثان مباشرة إلى ميثانول في نفس النظام، مع تقليل المنتجات الثانوية عديمة الفائدة أو الضارة.

في الوقت الحاضر، لا يزال جهاز "البرق في الزجاجة" هذا على نطاق المختبر، ولكن إذا أمكن توسيع نطاقه بنجاح في المستقبل، فمن المتوقع أن يحقق نظامًا موزعًا لتحويل الميثان في الموقع. ويتصور الباحثون أنه يمكن نشر مثل هذه الأجهزة في مواقع نائية أو مواقع بها تسرب لغاز الميثان لتحويل هذا الغاز الدفيئة الوفير ولكن عالي الكفاءة مباشرة إلى مواد كيميائية صناعية قيمة. وأشار سويلر إلى أن الطريقة التقليدية الحالية للتعامل مع غاز الميثان المتسرب هي إشعاله على الفور وتحويل الميثان إلى ثاني أكسيد الكربون. وعلى الرغم من أن تأثير الاحتباس الحراري أقل قليلاً من تأثير غاز الميثان، إلا أنه سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وإذا تم إرسال المفاعل الصغير مباشرة إلى مصدر التسرب، فيمكن تحويل غاز الميثان الذي كان سيتم حرقه مباشرة إلى وقود سائل قابل للنقل.

بعد ذلك، سيستمر الفريق في تحسين أداء النظام واستكشاف كيفية استعادة منتجات الميثانول عالية النقاء وفصلها بكفاءة. وقد نشرت نتائج البحوث ذات الصلة في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية.