الزجاج مادة بسيطة وخادعة، وشفافة وصلبة، ولكنها في الواقع معقدة للغاية ومثيرة للاهتمام. تُعرف العملية التي يتغير من خلالها الزجاج من السائل إلى الزجاج باسم "الانتقال الزجاجي" وتتميز بتباطؤ كبير في ديناميكيات الزجاج، مما يمنح الزجاج خصائصه المميزة.لقد كان هذا التحول موضوعًا للفضول العلمي لسنوات. والنقطة المثيرة للاهتمام بشكل خاص في هذه العملية هي ظهور "التغاير الديناميكي". عندما يبرد السائل ويقترب من درجة حرارة التزجج، تصبح ديناميكياته أكثر تماسكًا وتقطعًا.
في دراسة جديدة، يقترح الباحثون إطارًا نظريًا جديدًا لشرح هذه التباينات الديناميكية في السوائل المكونة للزجاج. يرى هذا الرأي أن الاسترخاء في هذه السوائل يحدث من خلال إعادة ترتيب موضعية، والتي بدورها تؤثر على بعضها البعض من خلال التفاعلات المرنة. الاسترخاء هو مصطلح في الفيزياء يشير إلى عملية العودة التدريجية من حالة معينة إلى حالة التوازن في عملية فيزيائية تدريجية معينة. ومن خلال دراسة التفاعل بين عمليات إعادة الترتيب المحلية والتفاعلات المرنة والتقلبات الحرارية، طور الباحثون نظرية شاملة للديناميكيات الجماعية لهذه الأنظمة المعقدة.
أجرى البحث البروفيسور ماتيو ويارت من مدرسة الفنون التطبيقية الفيدرالية في لوزان بالتعاون مع زملاء من معهد ماكس بلانك في دريسدن، والأكاديمية الوطنية الفرنسية للعلوم، وجامعة غرونوبل ألب، ومركز بيولوجيا الأنظمة في دريسدن. وقد تم الآن نشر نتائج البحث في مجلة Physical Review X.
اقترح فريق البحث "نظرية القياس" لشرح الزيادة الملحوظة في طول الارتباط الديناميكي في السوائل الزجاجية. يرتبط طول الارتباط هذا بـ "الانهيار الحراري"، وهو حدث نادر ناجم عن التقلبات الحرارية التي تؤدي لاحقًا إلى انفجار حركي أسرع.
يوفر الإطار النظري للدراسة أيضًا نظرة ثاقبة لتحلل ستوك-آينشتاين، وهي ظاهرة تقوم فيها اللزوجة السائلة بفصل انتشار الجسيمات.
وللتحقق من تنبؤاتهم النظرية، أجرى الباحثون عمليات محاكاة عددية واسعة النطاق في ظل ظروف مختلفة. أكدت هذه المحاكاة دقة نظرية القياس وقدرتها على وصف الديناميكيات المرصودة للسوائل الزجاجية.
لا يؤدي هذا البحث إلى تعميق فهمنا لديناميكيات الزجاج فحسب، بل يقترح أيضًا طريقة جديدة لمعالجة خصائص عدد من الأنظمة المعقدة الأخرى، بما في ذلك نشاط الدماغ أو الانزلاق بين الأجسام الاحتكاكية.
يقول ماتيو ويارت: "يربط عملنا نمو أطوال الارتباط الديناميكي في السوائل بالاسترخاء من نوع الانهيار، والذي تمت دراسته جيدًا في المغناطيسات المضطربة والمواد الحبيبية والزلازل". "وبالتالي فإن هذا النهج يخلق جسورًا غير متوقعة بين المجالات الأخرى. وبالتالي، فإن وصفنا لكيفية تأثر الانهيار بالتقلبات الخارجية، بما في ذلك التقلبات الحرارية، قد يكون له آثار أوسع نطاقًا".