الملخص:
طوّر باحثون في جامعة ماينوث في إيرلندا نوعاً جديداً من حاسوب الحمض النووي يمكنه استخدام التفاعلات الكيميائية الطبيعية لجزيئات الحمض النووي في المحاليل الملحية لإتمام العمليات الحسابية دون استهلاك متواصل للكهرباء مثل أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية التقليدية. وذكر فريق البحث أن هذه الطريقة تمكن من حوسبة الحمض النووي بدون مصدر طاقة خارجي مستمر لأول مرة وتحقق أسرع سرعة حوسبة في أنظمة حوسبة الحمض النووي الحالية. ص> ص>

مع التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، أصبح استهلاك الطاقة لمعدات الحوسبة قضية بارزة بشكل متزايد. ويتوقع الباحثون أنه بحلول عام 2050، يمكن استخدام ما يصل إلى 20% من الكهرباء التي يستهلكها القطاع التجاري في الولايات المتحدة لأغراض الحوسبة، وقد يتضاعف الطلب على الطاقة في مراكز البيانات في السنوات القليلة المقبلة. وفي هذا السياق، أصبحت كيفية تقليل الطلب على الطاقة لعملية الحوسبة نفسها اتجاهًا مهمًا للباحثين لإيجاد بنيات حوسبة جديدة. ص>
قال داميان وودز، عالم الكمبيوتر في جامعة ماينوث وكبير مؤلفي الورقة، إن الناس معتادون حاليًا على فهم أجهزة الكمبيوتر كأجهزة مكونة من شرائح السيليكون والترانزستورات، لكن الطبيعة طورت بالفعل العديد من آليات الحوسبة التي يمكنها إكمال المهام المعقدة بطاقة منخفضة للغاية، والدماغ البشري أحد الأمثلة على ذلك. ولذلك يأمل الباحثون في إيجاد طرق حسابية من كيمياء الحياة تختلف عن الحسابات الإلكترونية التقليدية. ص>
تعتمد جميع أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية الحديثة تقريبًا على الترانزستورات كمفاتيح أساسية، تمثل البيانات من خلال حالتين: "تشغيل" و"إيقاف". في كل مرة يتغير فيها الترانزستور، فإنه يستهلك كمية صغيرة من الطاقة، وعندما تتحول مليارات أو حتى تريليونات من الترانزستورات باستمرار بترددات عالية للغاية، فإن استهلاك الطاقة الصغير هذا يضيف في النهاية إلى متطلبات الطاقة الضخمة. ص>
يخزن الحمض النووي المعلومات ويعالجها بطريقة مختلفة تمامًا. يمكن للقواعد الكيميائية الأربعة التي تشكل سلسلة الحمض النووي تشفير المعلومات بترتيبات مختلفة، لذلك يمكن نظريًا استخدام جزيء الحمض النووي نفسه كوسيط حاسوبي. على عكس أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية التي تقوم بتبديل الحالات من خلال الترانزستورات، يمكن لحوسبة الحمض النووي استغلال التفاعلات الكيميائية بين تسلسلات الحمض النووي المختلفة لتنفيذ الخوارزميات. ص>
إن حوسبة الحمض النووي ليست مفهومًا جديدًا. في وقت مبكر من التسعينيات، استخدم ليونارد أدلمان، عالم الكمبيوتر في جامعة جنوب كاليفورنيا، جزيئات الحمض النووي والتفاعلات الكيميائية الحيوية لحل "مشكلة البائع المتجول" الشهيرة، مما أثبت أنه يمكن استخدام الحمض النووي لإجراء العمليات الحسابية. ومنذ ذلك الحين، واصل الباحثون تطوير خوارزميات جزيئية جديدة، على أمل السماح للحمض النووي بتولي المزيد من وظائف أجهزة الكمبيوتر التقليدية. ص>
ومع ذلك، كانت هناك دائمًا مشكلة رئيسية في حوسبة الحمض النووي، وهي كيفية جعل النظام يتمتع باستهلاك منخفض للطاقة واستقرار وموثوقية في نفس الوقت، ولا يتطلب تدخلًا يدويًا مستمرًا من قبل الباحثين أثناء عملية الحساب. تتطلب العديد من أساليب حوسبة الحمض النووي التقليدية إضافة مستمرة للكواشف أو توفير طاقة إضافية للسماح للتفاعلات الكيميائية بالمضي قدمًا كما هو مخطط لها. ص>

لقد اتخذ فريق وودز نهجًا مختلفًا، أقرب إلى تقنية أوريغامي الحمض النووي التي ظهرت في السنوات الأخيرة، بدلاً من وضع أعداد كبيرة من خيوط الحمض النووي البسيطة ضد بعضها البعض للعثور على الإجابة. ص>
استخدم الباحثون أولاً "سقالة" أطول من الحمض النووي، ثم أضافوا عددًا كبيرًا من أجزاء الحمض النووي الأقصر ووضعوها في محلول ملحي دافئ. عندما يبرد المحلول تدريجيًا، تتفاعل جزيئات الحمض النووي وتشكل نفسها في هياكل أكثر استقرارًا. البنية الناتجة نفسها هي الحل للمشكلة الحسابية. ص>
في هذا النظام، تتفاعل الجزيئات وتشكل بنية، وهذا الهيكل هو نتيجة الحسابات، كما أوضح وودز. الميزة الأكثر أهمية في العملية برمتها هي أن النظام يمكن أن يتطور بشكل طبيعي إلى أدنى حالة طاقة، لذلك ليست هناك حاجة لإدخال مستمر من الطاقة الخارجية لدفع العملية الحسابية. ص>
وبعبارة أخرى، فإن هذا النوع من حواسيب الحمض النووي لا يستهلك الكهرباء بشكل مستمر للسماح للترانزستورات بالتبديل بسرعات عالية. وبدلاً من ذلك، فهو يسمح للنظام الجزيئي بالعثور على طاقة أقل وحالة أكثر استقرارًا من تلقاء نفسه، ويستخدم البنية الجزيئية النهائية كنتيجة لذلك. ص>
استخدم الباحثون هذه الطريقة لتشغيل مجموعة متنوعة من البرامج المختلفة، بعضها بحسابات يصل حجمها إلى 100 بت. وقد أظهرت التجارب أن هذا النظام يمكنه بالفعل إكمال الحسابات الرياضية المصممة مسبقًا دون الحاجة إلى إمدادات مستمرة من الكهرباء. ص>
ومع ذلك، إذا نظرت فقط إلى سرعة الحساب الواحدة، فلا تزال هناك فجوة كبيرة بينها وبين أجهزة الكمبيوتر التقليدية المعتمدة على السيليكون. على سبيل المثال، كانت إحدى أسرع الحسابات في التجربة هي جمع 3 و10، وحتى ذلك الحين استغرق الأمر حوالي 30 ثانية للحصول على النتيجة. بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر الإلكترونية العادية، تكون هذه السرعة ضئيلة تقريبًا. ص>
لكن الباحثين أكدوا أن قيمة حوسبة الحمض النووي لا تكمن في التنافس مع وحدة المعالجة المركزية على سرعة حسابية واحدة. يمكن لجزيئات الحمض النووي إجراء تفاعلات كيميائية متوازية للغاية، ويمكن إجراء عدد كبير من الحسابات المختلفة في وقت واحد في نفس نظام التفاعل الصغير. لذلك، يعد هذا النوع من أجهزة الكمبيوتر أكثر ملاءمة للتعامل مع بعض المشكلات التي يمكن تقسيمها إلى عدد كبير من المهام المتوازية. ص>
قالت عبير عشر، إحدى المؤلفين الأوائل المشاركين في الورقة، إن هذا التفاعل يمكن أن يحدث بسرعة في أنبوب الاختبار. على الرغم من أن السرعة لا تزال أقل بكثير من سرعة الكمبيوتر المعتمد على السيليكون، مقارنة بأنظمة حوسبة الحمض النووي الأخرى، إلا أن هذه الطريقة هي الحل الأسرع حاليًا. ص>
يتمتع الحمض النووي أيضًا بميزة لا تستطيع أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية التقليدية مضاهاتها، وهي كثافة تخزين البيانات العالية للغاية. من الناحية النظرية، يمكن لجرام واحد من الحمض النووي تخزين مئات الملايين من الجيجابايت من البيانات، مما يعني أنه قد يتم ضغط كمية كبيرة من المعلومات الرقمية البشرية في مساحة مادية صغيرة جدًا في المستقبل. ص>
إذا قمت بدمج كثافة تخزين عالية جدًا للحمض النووي مع تقنية قراءة وكتابة البيانات منخفضة الطاقة، ثم استخدمت آليات الحوسبة الجزيئية التي تميل بشكل طبيعي إلى حالات منخفضة الطاقة لأداء مهام محددة، فمن الممكن تشكيل نظام معالجة بيانات مختلف تمامًا عن أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية التقليدية. ص>
تُعتبر طريقة الحوسبة هذه مناسبة بشكل خاص للسيناريوهات التي لا تتطلب معالجة عالية السرعة في الوقت الفعلي، ولكنها تتطلب تخزينًا ومعالجة معلومات ضخمة على المدى الطويل. بالمقارنة مع محركات الأقراص الصلبة التقليدية، ومحركات الأقراص ذات الحالة الصلبة، ومراكز البيانات، يمكن للحمض النووي تخزين المعلومات بكثافة عالية للغاية والبقاء مستقرًا لفترات طويلة من الوقت في ظل الظروف المناسبة. ص>
يعتقد الباحثون أن تخزين الحمض النووي وحوسبة الحمض النووي قد يتم دمجهما بشكل أكبر في المستقبل، مما يجعل الحمض النووي ليس مجرد "قرص صلب جزيئي" فحسب، بل يمكنه أيضًا حساب البيانات المخزنة فيه بشكل مباشر دون الحاجة إلى تحويل جميع المعلومات إلى إشارات إلكترونية أولاً. ص>
وهذا يعني أن مراكز البيانات المستقبلية قد لا تحتاج بالضرورة إلى أن تتكون من أعداد كبيرة من الرقائق وأجهزة التخزين عالية السرعة. في بعض التطبيقات المحددة، قد تقوم جزيئات الحمض النووي المصممة في نفس الوقت بمهام تخزين البيانات والحوسبة، وتنتج نتائج مباشرة من خلال التفاعلات الكيميائية. ص>
وبطبيعة الحال، لا تزال هذه التكنولوجيا في المراحل الأولى من البحث. من الواضح أن سرعة إكمال عملية إضافة بسيطة في 30 ثانية لا يمكن مقارنتها بوحدات المعالجة المركزية (CPUs) ووحدات معالجة الرسومات (GPU) وحتى وحدات التحكم الدقيقة الحديثة. في التطبيقات العملية، تحتاج حوسبة الحمض النووي أيضًا إلى حل العديد من المشكلات مثل مقياس الحساب، وقراءة النتائج، والتحكم في التفاعلات الكيميائية، والموثوقية، وتصنيع الدفعات. ص>
ولذلك فإن أهمية هذا البحث لا تعني أن الحواسيب الإلكترونية التقليدية سيحل محلها الحمض النووي قريبا، لكنه يثبت أن الحوسبة لا تتطلب بالضرورة استهلاكا مستمرا للطاقة الكهربائية. أظهر الباحثون نموذجًا حاسوبيًا مختلفًا تمامًا من خلال السماح للنظام الجزيئي بالتطور من تلقاء نفسه إلى حالة مستقرة. ص>
مع استمرار الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات في زيادة استهلاك طاقة الحوسبة العالمية، فإن هذا النوع من أساليب الحوسبة التي تستهلك القليل جدًا من الطاقة أو حتى لا تتطلب مصدرًا مستمرًا للطاقة قد يحظى بمزيد من الاهتمام تدريجيًا. في المستقبل، قد لا تصبح حوسبة الحمض النووي بديلاً لأجهزة الكمبيوتر ذات الأغراض العامة، ولكن في مجالات مثل خوارزميات محددة، ومعالجة المعلومات الضخمة، وتخزين البيانات على المدى الطويل، قد تطور مزايا يصعب على أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية تكرارها. ص> ص>
التعليقات