التقطت دراسة جديدة أنجزها فريق بحث علمي متعدد الجنسيات إشارات مغناطيسية ضعيفة للغاية في المعادن اليومية لأول مرة، مما سمح للذهب والنحاس والألومنيوم والمعادن الأخرى التي تعتبر "صامتة مغناطيسيا" بالكشف عن "الجانب الثاني" الذي كان مخفيا منذ ما يقرب من 150 عاما. وقد نشرت النتائج ذات الصلة في مجلة "Nature Communications" وتعتبر أنها فتحت نافذة جديدة لدراسة سلوك الإلكترون في المعادن.

تم اكتشاف "تأثير هول" الكلاسيكي في نهاية القرن التاسع عشر لتفسير ظاهرة انحراف التيار في المجال المغناطيسي. ويكون هذا التأثير واضحًا تمامًا في المواد المغناطيسية الحديدية مثل الحديد، ولكنه ضعيف للغاية في المعادن غير المغناطيسية مثل النحاس والذهب. من الناحية النظرية، يجب أن يكون "تأثير هول البصري" المشتق من هذا موجودًا أيضًا، لكن إشارته في نطاق الضوء المرئي ضعيفة جدًا بحيث لا يمكن ملاحظتها مباشرة بالوسائل التجريبية لفترة طويلة. وقال فريق البحث إن الأمر يشبه محاولة التقاط صوت همس في غرفة صاخبة. "يعتقد الجميع أن الهمس موجود، لكنه يفتقر إلى "ميكروفون" حساس بدرجة كافية".

قاد البحث طلاب الدكتوراه نداف آم شالوم والبروفيسور أمير كابوا في الجامعة العبرية، بالتعاون مع زملاء في معهد وايزمان للعلوم، جامعة ولاية بنسلفانيا وجامعة مانشستر. هدفهم: قياس هذه الاستجابات المغناطيسية غير المرئية تقريبًا في المعادن التي تبدو "غير مغناطيسية" تمامًا في الحياة اليومية. ووصف كابوا أن الناس اعتادوا على التفكير في النحاس والذهب باعتبارهما "معادن هادئة" مغناطيسيًا - فلن يلتصقا بباب الثلاجة مثل الحديد، ولكن في ظل الظروف المناسبة، سيظلان يستجيبان للمجالات المغناطيسية بطرق دقيقة للغاية.

ولتحقيق هذا الهدف، قام الفريق بترقية حساسية طريقة قياس "تأثير كير المغناطيسي البصري" (MOKE) الحالية بشكل كبير. مبدأ MOKE هو تشعيع العينة بالليزر وقراءة المعلومات المغناطيسية الموجودة في المادة بشكل غير مباشر من خلال ملاحظة تغير استقطاب الضوء المنعكس. استخدم الباحثون ليزرًا أزرقًا بطول موجة يبلغ 440 نانومترًا وقاموا بتعديل المجال المغناطيسي الخارجي بقوة من أجل "رفع" الإشارة من خلفية الضوضاء. بفضل هذه المجموعة من التحسينات، يمكن اكتشاف الإشارات المغناطيسية الضعيفة للغاية في سلسلة من المعادن مثل النحاس والذهب والألومنيوم والتنتالوم والبلاتين مباشرة في نطاق الضوء المرئي لأول مرة.

ووجدت الدراسة أن هذه النتائج التجريبية تتفق إلى حد ما مع نظرية لورنتز-درود الكلاسيكية، والتي تستخدم لوصف سلوك حركة الإلكترونات في المجالات الكهرومغناطيسية. ومع ذلك، كشفت البيانات الفعلية أيضًا عن تفاصيل لا يمكن تغطيتها بالكامل من خلال النظرية الكلاسيكية، مثل المساهمة الإضافية لديناميكيات البلازما والانتقالات بين النطاقات في الإشارة، مما يعني أن استجابة الإلكترونات في المعادن أكثر تعقيدًا من تلك التي تصورها النماذج الحالية. وبشكل غير متوقع، لم يكن "الضجيج" في التجربة عشوائيًا تمامًا، ولكنه أظهر ارتباطًا واضحًا بقوة اقتران المعدن في مداره الدوراني.

إن ما يسمى بالاقتران المغزلي المداري هو الاقتران بين دوران الإلكترون وحركته المدارية. ويعتبر معلمة رئيسية في المجالات المتطورة مثل الإلكترونيات السبينية والمواد الطوبولوجية. ويعتقد تحليل الفريق أن هذا النوع من الضجيج "المضخم" مع تعزيز اقتران المدار المغزلي هو في الواقع نتاج التفاعل بين الضوء ودوران الإلكترون، ويرتبط بتعزيز تخميد جيلبرت في المادة، أي عملية تبديد الطاقة المغناطيسية في المادة. وبعبارة أخرى، تكمن وراء هذه "الضوضاء الساكنة" التي تبدو فوضوية معلومات قيمة تنقلها درجات الحرية الدورانية.

ووصف الباحثون هذا الاكتشاف بأنه: "إنه مثل اكتشاف أن حفيف الراديو ليس مجرد تدخل، ولكن هناك من يهمس في الداخل". ومن خلال وسائل بصرية حساسة للغاية، بدأوا في "فهم" هذه الإشارات الضعيفة الصادرة عن دوران الإلكترون. بالمقارنة مع القياسات الكهربائية التقليدية التي تتطلب الأسلاك والأقطاب الكهربائية، فإن هذه الطريقة البصرية البحتة لا تتطلب الأسلاك على عينات النانو، مما يقلل بشكل كبير من التعقيد التجريبي والإزعاج في العينة.

وبما أن القياس لا يتطلب سوى شعاع ليزر ومجال مغناطيسي خارجي معتدل، ولا يعتمد على درجات حرارة منخفضة للغاية أو مجالات مغناطيسية قوية جدًا، فإن هذه الطريقة لها آمال كبيرة في التطبيقات المحتملة في الهندسة وعلوم المواد. وتشير الورقة إلى أنه من المتوقع أن تخدم هذه التكنولوجيا مجالات التخزين المغناطيسي، والإلكترونيات الدورانية، والحوسبة الكمومية، مما يساعد الباحثين على توصيف التفاعلات المغناطيسية والكهربائية داخل المواد بشكل أكثر دقة في ظل ظروف العمل الحقيقية. بالنسبة لهندسة الأجهزة، يعني هذا التشخيص بدون تلامس "للجانب المغناطيسي المظلم" للمواد في ظل ظروف أقرب إلى بيئات التطبيق الفعلية.

ومن الجدير بالذكر أن هذا العمل يحقق "الرغبة غير المكتملة" لإدوين هول، مكتشف تأثير هول، إلى حد ما. في بحثه الأولي في عام 1881، حاول هول استخدام الطرق البصرية لمراقبة التأثيرات ذات الصلة، لكنه فشل بسبب القيود التقنية في ذلك الوقت. وأعرب في المقال عن أسفه لأنه إذا كان تأثير الفضة يمكن أن يصل إلى عُشر تأثير الحديد، فيجب أن يكون قادرًا على رؤية التأثيرات البصرية، لكنه للأسف لم يلاحظ أي علامات. الآن، ومن خلال الضبط الدقيق للتردد والظروف التجريبية، أصبح بإمكان جيل جديد من الباحثين أخيرًا استخدام الضوء "لرؤية" الظواهر التي لم يكن من الممكن تحقيقها في ذلك الوقت.

ويكمن وراء هذا الإنجاز التحسن التراكمي في حساسية الأساليب التجريبية لأكثر من قرن من الزمان. وبالنسبة للمجتمع العلمي، فإن ذلك الجزء من "الهمس المغناطيسي" الموجود في المعادن اليومية لم يعد مخفيا تماما، بل تحول إلى بيانات تجريبية يمكن تسجيلها وتحليلها. بالنسبة للتكنولوجيا المستقبلية، قد تصبح هذه القرائن المغناطيسية السرية في مرحلة ما لغزًا رئيسيًا لتعزيز تطوير جيل جديد من أجهزة التخزين والحوسبة والأجهزة الكمومية.