يقوم العلماء بتقسيم الوقت إلى تفاصيل غير مسبوقة. في الآونة الأخيرة، قام فريقان بحثيان دوليان ببناء "ساعة نووية" جديدة في المختبر، والتي تستخدم الاهتزازات عالية التردد للنواة الذرية الثوريوم 229 لقياس الوقت. ويعتبر معلما هاما في تكنولوجيا قياس الوقت.

من العد، ومراقبة تأرجح البندول، إلى استخدام الاهتزاز الكهرضغطي الناتج عن بلورات الكوارتز تحت تأثير المجال الكهربائي، اخترع البشر مجموعة متنوعة من أساليب ضبط الوقت، وتتحسن دقتها باستمرار. لأكثر من سبعين عامًا، ظلت الساعات الذرية هي "المعيار الذهبي" لقياس الوقت، بالاعتماد على تردد انتقالات إلكترونات ذرة السيزيوم بين مدارات مختلفة.

ومع ذلك، فإن الإلكترونات ليست الجزء الوحيد من الذرة الذي يهتز بانتظام. ستخضع النواة الذرية نفسها أيضًا لـ "تذبذبات" مماثلة بين مستويات الطاقة المختلفة، وتتوافق التذبذبات مع طاقة أعلى وتردد أسرع، مما يعني أنه يمكن حشر المزيد من "علامات التجزئة" في وحدة الوقت، وبالتالي توفير دقة زمنية أعلى من الناحية النظرية من الساعات الذرية التقليدية.

في وقت مبكر من عام 2003، أدرك الباحثون أن تردد "الانتقال النووي" الافتراضي لنظائر الثوريوم معينة قد يقع ضمن النطاق الذي يمكن أن تغطيه تكنولوجيا الليزر الحديثة، مما يجعل من الممكن تحفيزه واستخدامه في ضبط الوقت. بعد ذلك، أمضوا 13 عامًا لمراقبة هذه الظاهرة أخيرًا في التجارب، و12 عامًا أخرى لقياس الطول الموجي المحدد للأشعة فوق البنفسجية المطلوبة بدقة أكبر، وإعداد المعلمات الأساسية لبناء "ساعة نووية" قابلة للاستخدام حقًا.

تكمن الصعوبة الحقيقية على مستوى التنفيذ الهندسي: من أجل نقل هذا النوع من الضوء فوق البنفسجي العميق، والذي تمتصه الغازات بسهولة، في الغلاف الجوي، من الضروري إيجاد بيئة صلبة يمكنها ربط نواة الثوريوم 229 بقوة وتسهيل تشعيع الضوء. في العملين التجريبيين الأخيرين، اختار فريق بقيادة لوكا توسكاني دي كول، الباحث في مركز فيينا لعلوم وتكنولوجيا الكم، وفريق بقيادة هوانغ بيتشن، عالم الفيزياء في جامعة تسينغهوا، تغليف نواة الثوريوم 229 في بلورات فلوريد الكالسيوم، وتجاوز هذه العتبة التكنولوجية بنجاح.

من أجل التغلب على التحديات التجريبية المتبقية، اعتمد الفريقان استراتيجيات مختلفة: قام فريق هوانغ بيتشن بتعزيز كفاءة الإثارة عن طريق زيادة قوة الليزر فوق البنفسجي، في حين اختار فريق توسكاني دي كول زيادة تركيز نظير الثوريوم 229 في البلورة لزيادة شدة الإشارة. أدى كلا الطريقين في النهاية إلى نماذج أولية للساعة النووية التشغيلية، مما يوفر دليلًا واقعيًا على تذبذب مستوى الطاقة النووية ليصبح جهاز توقيت عملي.

في الوقت الحاضر، يمكن للساعة الذرية الأيونية الأكثر تقدما للبشرية دفع دقة الوقت إلى 19 منزلة عشرية، مما يعني أنه على مقياس عمر الكون، لا تزال الأخطاء التراكمية صغيرة للغاية. تظهر الأبحاث النظرية أن الساعات النووية المبنية على التحول النووي للثوريوم-229 من المتوقع أن تتجاوز هذا المستوى خطوة واحدة وتقسم الوقت بطرق أكثر تفصيلاً.

كلما كانت شرائح الزمن أصغر، زاد احتمال اكتشاف العلماء لتأثيرات ضعيفة للغاية، مثل التأثيرات الدقيقة التي تمارسها الجاذبية والتسارع على نسيج الزمكان. الساعات فائقة الدقة ليست فقط أداة قوية للتحقق من نظريات مثل النسبية العامة، ولكنها توفر أيضًا أدوات جديدة للعثور على العيوب المحتملة في النموذج القياسي على مقاييس صغيرة للغاية.

ولاختبار أداء الجهاز الجديد، استخدم فريق توسكاني دي كول أيضًا الساعة النووية للبحث عن علامات المادة المظلمة منخفضة الكتلة، على أمل التقاط أدلة على التفاعل بين المادة المظلمة والمادة العادية من خلال تغييرات صغيرة غير طبيعية في التردد الزمني. إذا نجحت مثل هذه التجارب، فمن المتوقع أن توفر أدلة أساسية لتفسير ما يقرب من 85% من مكونات الكتلة في الكون التي لم يتم اكتشافها بشكل مباشر بعد.

حاليًا، يتم نشر كلا النتيجتين على منصة arXiv في شكل نسخ أولية، ويتم الكشف عن التفاصيل والبيانات التجريبية. ومن المتوقع أنه مع استمرار التكنولوجيات ذات الصلة في النضج، ستفتح الساعات النووية مساحات تطبيقية جديدة في مجالات أبحاث الفيزياء الأساسية، وأنظمة الملاحة، وقياسات مجال الجاذبية الأرضية، وحتى الاتصالات عالية الدقة، مما يضيف "ساعة توقيت نهائية" أخرى لقدرة البشر على فهم الوقت.

بالمقارنة مع حساب الثواني في "الميسيسيبي"، من الواضح أن ساعات الجيل الجديد هذه، التي تستخدم النوى الذرية "كعقارب متأرجحة"، تقربنا خطوة واحدة من التوقيت المثالي.