أظهرت دراسة نُشرت مؤخرًا أن الحيوانات المنوية البشرية يمكنها الاستمرار في السباحة بكفاءة في بيئة سائلة شديدة اللزوجة والتي من شأنها أن تمنع الحركة على الفور تقريبًا وفقًا للفيزياء التقليدية. يبدو أن طريقة حركتهم "تتجاوز" قانون نيوتن الثالث الذي نعرفه. وقاد البحث كينتا إيشيموتو، عالم الرياضيات في جامعة كيوتو. اقترح هو وزملاؤه أن "المواد النشطة" المجهرية مثل الحيوانات المنوية تظهر خاصية مرنة غير تقليدية عن طريق حقن الطاقة بشكل مستمر داخليًا، وبالتالي الحفاظ على التقلبات والتقدم في بيئة عالية المقاومة.

على المستوى اليومي، يعتبر الماء سائلًا "خفيفًا" نسبيًا بالنسبة لجسم الإنسان، ولكن على المستوى المجهري، يتصرف السائل كجدار سميك من المقاومة: القصور الذاتي يكاد لا يذكر، واللزوجة تهيمن، ويتوقف الجسم على الفور تقريبًا بمجرد توقفه عن الدفع بقوة. بالنسبة للسباحين الصغار مثل الحيوانات المنوية، لا توجد مرحلة "انزلاق" بين كل أرجوحة ذيل. إذا توقف السوط عن الرفرفة، فسيتم إنهاء التقدم على الفور. يؤدي هذا إلى ما يسمى بـ "نظرية الإسكالوب": في السائل عالي اللزوجة، لا يمكن أن يؤدي تكرار الحركة العكسية تمامًا ذهابًا وإيابًا إلى إحداث إزاحة صافية. إذا أراد السباح المجهري المضي قدمًا، فيجب عليه الاعتماد على نمط حركة لا رجعة فيه وموجه زمنيًا.
تستخدم الحيوانات المنوية السوط "لحل" هذا اللغز الجسدي. السوط عبارة عن هيكل نحيف ومرن يشبه الذيل مع عدد كبير من المحركات الجزيئية الموزعة بداخله، والتي يمكن أن تولد موجات متنقلة على طول السوط، مما يجعل الذيل بأكمله مثل "السوط النشط" الذي ينقل الموجات بشكل مستمر. توجد أيضًا هياكل مماثلة في الكائنات الحية الدقيقة مثل الطحالب الخضراء Chlamydomonas، والتي تعتمد أيضًا على الأسواط للسباحة في بيئة لزجة. نظرًا لأن المحركات الجزيئية تضخ الطاقة بشكل مستمر إلى النظام، فإن السوط يتصرف بشكل أقل مثل الزنبرك السلبي وأكثر مثل "مادة نشطة" مدفوعة داخليًا.
وركز فريق البحث على خاصية تسمى "المرونة الفردية" في المادة الفعالة. في المواد المرنة العادية، تكون القوة والاستجابة متبادلتين: بأي طريقة تمد المادة أو تثنيها، فإنها ترتد بطريقة مماثلة، متبعًا تناظر الفعل ورد الفعل. ومع ذلك، في المواد النشطة، يمكن لمصادر الطاقة الداخلية أن تسمح للمادة بإنتاج استجابة غير متبادلة، أي أن قوة التفاعل المتولدة عند تعرضها لقوة خارجية لم تعد مجرد "تعكس" القوة الخارجية. يساعد هذا السلوك الميكانيكي غير المتماثل في الحفاظ على الموجة المتحركة، حتى لو استمر السائل اللزج في استهلاك الطاقة الميكانيكية للنظام.
لوصف هذه العملية، اقترح الباحثون الإطار النظري "الديناميكية المرنة الفردية". يهدف هذا الإطار إلى توصيف التفاعلات "غير المحلية وغير المتبادلة" التي تظهرها المواد المرنة في السوائل اللزجة بشكل منهجي، وتمييز التأثيرات التي تنشأ من مقاومة السائل المحيط والتي تنشأ من آلية القيادة النشطة داخل المادة. وأشار فريق البحث إلى أنه إذا بدأنا فقط من تأثير السحب العياني، فإنه غالبًا ما يحجب الطبيعة الميكانيكية الحقيقية للتقلبات داخل السوط، لذلك من الضروري الفصل بين الاثنين نظريًا. كما قدموا أيضًا "معامل المرونة المفرد" كأداة رياضية للتمييز بين الاستجابات المرنة العادية والسلوك الميكانيكي النشط غير المتبادل.
فيما يتعلق بالتحقق من النموذج، طبق الباحثون هذه النظرية على البيانات التجريبية للحيوانات المنوية البشرية والبيانات المتأرجحة لـ Chlamydomonas flagella. أظهرت النتائج أن الموجات السوطية للحيوانات المنوية البشرية تتولد بشكل أساسي عن طريق الأنشطة الداخلية النشطة، بينما تلعب المرونة السلبية دورًا في تثبيت الشكل الموجي ومساعدته على الاسترخاء مع مرور الوقت. بالنسبة إلى الكلاميدوموناس، فإن الاستجابة غير المتبادلة المشتقة في النموذج تتوافق إلى حد كبير مع نمط الموجة الناتج عن الضرب الفعلي لسوطها، مما يدعم بشكل أكبر الدور الرئيسي لـ "المرونة الغريبة" في قيادة السباحة المجهرية.
ويعتقد فريق البحث أن هذا الإطار يمكن أن يكشف عن آلية التفاعل الجوهري "غير المحلي وغير المتبادل" داخل المواد النشطة. بعبارات عامة، ذيل الحيوان المنوي ليس سوطًا صغيرًا تضربه قوة خارجية، ولكنه بنية معقدة تستهلك الطاقة بشكل مستمر. تسمح له ديناميكياته الداخلية بالسباحة بنجاح للأمام في عالم مادي حيث "لا يمكن للحركة الترددية العادية أن تتحرك للأمام". ويؤكد المؤلف أن ما يسمى بـ "تجاوز" قانون نيوتن الثالث لا يعني في الواقع انتهاك القوانين الأساسية للفيزياء، ولكن لأن الحيوانات المنوية تعتبر "نظامًا مفتوحًا": يستمر عدد كبير من الوحدات المجهرية النشطة في ضخ الطاقة إلى النظام، وبالتالي كسر التناظر الميكانيكي الذي اعتدنا رؤيته في الأنظمة المغلقة المنفعلة.
إن الآثار المترتبة على هذا البحث تمتد إلى ما هو أبعد من الحيوانات المنوية نفسها. وأشار الباحثون إلى أن هذا المنظور النظري يساعد في الحصول على فهم أعمق لأنماط حركة "السباحين الجماعيين" من الخلايا المنفردة إلى الأسراب المنسقة في بيئات السوائل المعقدة. ومن منظور تطبيقي، من المتوقع أيضًا أن يوفر التفكير التحليلي لـ "ديناميكيات موائع القنبلة الغريبة" إرشادات نظرية لتصميم الروبوتات المجهرية ذاتية التجميع، والسباحين الصغار الاصطناعيين، والمواد المرنة التي تحاكي حركات الحياة. نُشرت النتائج ذات الصلة في مجلة PRX Life في أكتوبر 2023. وتحمل الورقة عنوان "الديناميكا المرنة الغريبة: مادة حية غير متبادلة في سائل لزج".