ربما كان الناس في الأردن القديم معتادين على الصراخ: "لقد حل علينا الطاعون". إن المرض الغامض الذي أودى بحياة عدد لا يحصى من الأشخاص، لم يترك ندوبًا ضخمة في ذلك الوقت فحسب، بل غيّر أيضًا البنية الاجتماعية المحلية بشكل دائم. الآن، يقوم فريق متعدد التخصصات في جامعة جنوب فلوريدا بإعادة بناء الصورة التاريخية لما يسمى "طاعون جستنيان"، مع التركيز على التأثير الحقيقي لواحدة من أقدم أوبئة الطاعون الدبلي المعروفة في البحر الأبيض المتوسط على سكان المناطق الحضرية في ذلك الوقت.

الدراسة الأخيرة، التي أجراها رايز إتش واي جيانغ، الأستاذ المشارك في كلية الصحة العامة بجامعة جنوب فلوريدا، هي الثالثة في سلسلة دراسات أجراها فريقه حول هذا الطاعون العظيم، وتم نشرها مؤخرًا في مجلة العلوم الأثرية. في السابق، ركز عمل الفريق على مصدر الأدلة على مسببات مرض الطاعون الدبلي، يرسينيا بيستيس؛ لكن هذه المرة، وجهوا وجهة نظرهم إلى الأشخاص الذين أصيبوا وماتوا، محاولين الإجابة: من هم هؤلاء الأشخاص، وكيف يعيشون، وما نوع مشهد الموت الذي يعنيه الوباء في مدينة حقيقية.
ويقع الموقع الأساسي للبحث بالقرب من ميدان سباق الخيل القديم في مدينة جلاش الأردنية القديمة (الاسم القديم جيلاسا)، حيث تم التأكد من وجود مقبرة واسعة النطاق تعود إلى طاعون جستنيان الكبير. وتظهر الأدلة الأثرية أن عددًا كبيرًا من الرفات وُضع على عجل في مكان عام مهجور، مع وجود طبقة سميكة من شظايا الفخار تحت الجثث. أصبحت طريقة الدفن غير العادية هذه محور هذه الدراسة. على عكس المقابر العادية التي توسعت تدريجيا على مدى سنوات عديدة، كانت هذه المقبرة في جرش بمثابة حدث دفن جماعي لمرة واحدة. ربما تم دفن مئات الأشخاص في غضون أيام قليلة. ويقدم هذا دليلاً مباشرًا نادرًا على حجم الوفيات خلال "جائحة الطاعون الأولى".


والأمر المهم بشكل خاص هو أن جرش هي أول موقع يتم تحديده بوضوح على أنه "مقبرة الطاعون" بناءً على أدلة الحمض النووي الأثرية والقديمة. لقد ذكرت الوثائق التاريخية مرارًا وتكرارًا انتشار الأوبئة في الفترة البيزنطية، لكن العديد من المواقع التي تعتبر "مدافن جماعية للطاعون" تفتقر إلى دعم أسبابي قاطع. من خلال استخراج المادة الوراثية من الأسنان والبقايا الأخرى والكشف عن الحمض النووي للبكتيريا Y. Pestis، ربط فريق البحث بدقة السجلات المكتوبة ومواقع الدفن الجماعي والعامل الممرض نفسه في نفس الموقع لأول مرة، مما أدى إلى تحويل "قصة الطاعون" من النص والاستدلال إلى حدث بشري يمكن التحقق منه في الموقع.
وأشار الباحثون إلى أن هذه المقبرة حلت أيضًا تناقضًا طالما أزعج المجتمع الأكاديمي: تشير البيانات التاريخية والوراثية إلى وجود تدفقات سكانية واختلاط جيني بين المناطق المختلفة، لكن الأدلة من المدافن التقليدية غالبًا ما تقدم صورة ثابتة لـ "الناس ولدوا هنا وماتوا هنا". تظهر أدلة جرش أن كلتا الظاهرتين يمكن أن تكونا صحيحتين في نفس الوقت - في الأوقات العادية، عندما كانت تحركات السكان تميل إلى أن تكون بطيئة وتنتقل بين الأجيال، اختلط المهاجرون تدريجياً في أنماط المقابر المحلية وكان من الصعب التعرف عليهم بوضوح في موقع دفن واحد. ومع ذلك، في أوقات الأزمات الكبرى، تم تجميع الأشخاص المتنقلين الذين كانوا منتشرين في كل مكان ووضعهم في مقبرة مؤقتة. وبدلاً من ذلك، تم تركيز مسارات الهجرة والتدفق التي كان من الصعب اكتشافها عادةً و"الكشف عنها".
يُظهر التحليل الشامل للعظام والأسنان أن الأشخاص المدفونين في مقبرة جرش ينتمون إلى "مجموعة شديدة الحركة" داخل البنية الحضرية القديمة. قبل تفشي المرض، كانت مسارات حياتهم موزعة على منطقة أوسع؛ لكن خلال حالة الطوارئ التي سببها الطاعون، تم تسجيل وفاتهم في نفس مكان الدفن. ولا يساعد هذا الاكتشاف في إعادة بناء التركيبة السكانية المعقدة داخل المدينة القديمة فحسب، بل يدفع الباحثين أيضًا إلى إعادة النظر في كيفية "إعادة تشكيل" الوباء للتوزيع المكاني والجماعي للمجتمع الحضري في فترة زمنية قصيرة.

أجرى جيانغ البحث مع زملاء من قسم الجينوم بجامعة جنوب فلوريدا، ومركز أبحاث الأمراض المعدية العالمية، والأنثروبولوجيا، والطب الجزيئي، والتاريخ، بالتعاون مع عالمة الآثار كارين هندريكس من جامعة سيدني، أستراليا، وفريق مختبر في جامعة فلوريدا أتلانتيك. وبعد الانتهاء من تتبع العامل الممرض في مرحلة مبكرة، يأمل الفريق في استعادة "الطاعون" من حدث وبائي مجرد إلى "تجربة صحية إنسانية" ذات سياق اجتماعي محدد من خلال الجمع بين أدلة الحمض النووي القديمة وبيئة الدفن والمعلومات الأثرية الحضرية.
ويؤكد الباحثون أن فهم طاعون جستنيان ليس مجرد مراجعة للكارثة التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية من 541 إلى 750 م وقتلت الملايين من الناس، ولكنهم استكشفوا أيضًا كيف غيّر الوباء تنظيم المدن والمجتمع على مستوى أعمق. تمامًا مثل الأوبئة الحديثة، يرتبط ظهور الأوبئة القديمة وانتشارها ارتباطًا وثيقًا بالتجمع السكاني عالي الكثافة، والسفر بين المناطق، والظروف المناخية والبيئية. وفي حالة جرش، تكشف الأدلة الأثرية والبيولوجية معًا أن الوباء ليس "حدثًا بيولوجيًا" بسيطًا ولكنه حدث اجتماعي شامل متأصل بعمق في الحياة اليومية وتنقل السكان والضعف الاجتماعي.
يقول جيانغ إنه من خلال مطابقة المعلومات البيولوجية حول البقايا الفردية مع سياقها الأثري، يمكن للباحثين أن يروا بوضوح أكبر كيف يؤثر المرض على أشخاص حقيقيين في بيئات اجتماعية وطبيعية محددة. ومقارنة بالاعتماد فقط على السجلات المكتوبة، فإن هذه الطريقة تجعل "تاريخ الطاعون" لم يعد مجرد حدث بارد في التسلسل الزمني، بل سلسلة من قصص الحياة الملموسة والصدمات الجماعية. وأشار فريق البحث أيضًا إلى أن السبب وراء "كشف الوباء بشكل خاص عن الضعف البشري" هو أنه سيضخم الاختلافات في مخاطر التعرض والوصول إلى الموارد والتنقل المكاني بين المجموعات المختلفة في المجتمع، ولا يزال هذا النمط من عدم المساواة يؤثر على كيفية تأثير المرض على المجتمع الحديث.
يعتقد مؤلفو الورقة أن حالة مقبرة الطاعون القديمة هذه توفر مرجعًا مهمًا لفهم كيفية تشكيل الأوبئة للمدن وكشف الأشخاص الأكثر عرضة للأزمات. بدءًا من جرش، يأملون في تعزيز المجتمع الأكاديمي للجمع بين علم الآثار وعلم الجينوم والتاريخ الاجتماعي عند دراسة الأوبئة القديمة، والبدء من المستوى "الإنساني"، بدلاً من التركيز فقط على وصف مسببات الأمراض والجداول الزمنية. تحمل الورقة ذات الصلة عنوان "الخصائص البيولوجية الأثرية لجيلاش (غوجراسا)، الأردن خلال طاعون جستنيان (541-750 م)" وتم نشرها في مجلة العلوم الأثرية في 13 يناير 2026، مما يعزز قاعدة الأدلة حول أصول وتأثير أول وباء طاعون واسع النطاق في العالم.