تشير دراسة جديدة إلى أن التفكير الرياضي البشري ربما يكون قد انتشر في بلاد ما بين النهرين خلال العصر الحجري الحديث منذ حوالي 8000 عام، أي قبل وقت طويل من ظهور أنظمة الكتابة. عادة ما تربط وجهات النظر التقليدية أصل الرياضيات بظهور الكتابة قبل خمسة أو ستة آلاف سنة. ومع ذلك، اكتشف الباحثون أنماطًا نباتية منتظمة ودقيقة على الفخار الملون المكتشف في العديد من مواقع حلف الثقافية في أمريكا الشمالية وبلاد الرافدين. وهم يعتقدون أن هذا يعكس أن الناس في ذلك الوقت كان لديهم قدرات معرفية مجردة وهندسية معقدة للغاية.

وقال لوران داوان، عالم الآثار في الجامعة العبرية في القدس والذي لم يشارك في الدراسة، إن الدراسة تظهر أن الإدراك الرياضي قد تطور على الأرجح قبل وقت طويل من الكتابة في بعض التقاليد اليدوية، مثل الرسم على الفخار ونحت الأختام، مما يشير إلى أن مجتمعات العصر الحجري الحديث كانت لديها بالفعل طرق تفكير مجردة للغاية. موضوع البحث عبارة عن سلسلة من القطع الفخارية من فترة ثقافة حلف (6200 قبل الميلاد إلى 5500 قبل الميلاد). تم اكتشاف هذه الأجزاء من 29 موقعًا في أمريكا الشمالية وجزيرة ما بين النهرين. إنها تحافظ على أنماط نباتية منهجية وتعتبر واحدة من أقدم الأمثلة على الاستخدام واسع النطاق لصور النباتات في فن ما قبل التاريخ المعروف حتى الآن.

الورقة الجديدة، التي نشرت في مجلة عالم ما قبل التاريخ، يقودها عالم الآثار جوزيف جالفينكل. قام فريق البحث بفرز وتصنيف أنماط الآلاف من قطع الفخار المطلية بشكل منهجي، وتقسيم الأنماط النباتية إلى أربع فئات: الزهور والشجيرات والفروع والأشجار، من أجل تحليل تكوين النمط وأنماط التكرار بشكل أكثر دقة. وأظهرت النتائج أن الزهور هي العنصر الأكثر شيوعا بين جميع أنماط النباتات. وهي معروضة بوضوح على 375 شقفًا فخاريًا. لقد تم رسمها بدقة ولديها إحساس قوي بالتماثل. ومن الواضح أنها لم يتم رسمها بشكل عشوائي.

والأمر الأكثر لفتا للنظر هو أن عدد بتلات هذه الزهور يظهر تسلسلا هندسيا صارما: 4 بتلات، 8 بتلات، 16 بتلة، 32 بتلة، 64 بتلة، لتشكل سلسلة هندسية تزداد بمضاعفات 2، بدلا من الاختيار الزخرفي الفوضوي. وتشير الدراسة إلى أن بنية البتلة المتكررة والمجزأة بدقة تظهر أن الصانع اتبع نمطًا رياضيًا مستقرًا أثناء العملية الإبداعية، مما يعكس فهمًا واضحًا وتحكمًا في التسلسل الهندسي والتماثل والتقسيم المكاني. وقد عثر الباحثون أيضًا على عدد صغير من الزهور التي تحتوي على 6 أو 7 أو حتى 13 بتلة. ومع ذلك، انطلاقًا من المستوى العام للحرفية، فإن هذا العدد غير المنتظم يرجع على الأرجح إلى عدم كفاية مهارات الرسامين وليس إلى نظام رياضي آخر.

وقال جالفينكل في مقابلة إن أهمية الورقة في فهم تطور الإدراك البشري تنعكس بشكل أساسي في مستويين. أولاً، هو أول من سجل بشكل منهجي ظهور الزخارف النباتية وتطبيقها على نطاق واسع في فن ما قبل التاريخ، بما في ذلك أنواع مختلفة من الصور النباتية مثل الزهور والفروع والشجيرات والأشجار؛ ثانيًا، من خلال الاستخدام المتكرر لأرقام البتلات مثل 4 و8 و16 و32 و64، فإنه يعرض المعرفة الرياضية والوعي بالقواعد التي كانت موجودة في مجتمع ما قبل التاريخ.

وتتكهن الورقة أيضًا بأن نظام الأنماط الرياضية هذا من المرجح أن يكون مرتبطًا بشكل وثيق بالاحتياجات العملية للقرى المبكرة في ذلك الوقت. في بيئة الاستيطان الزراعي وتقاسم الموارد، يعد التقسيم الدقيق والمتساوي للأراضي أو الحبوب أو المواد الأخرى أساسًا مهمًا للعمل المجتمعي. قد تكون الممارسة المتكررة وعرض هياكل التقسيم المتساوي في زخرفة الأواني انعكاسًا فنيًا لهذه الممارسة. بمعنى آخر، فإن البتلات الموجودة على الفخار المطلي ليست مجرد تصميم جمالي، ولكنها قد تعكس أيضًا التشغيل المستمر واستيعاب مفهوم "التوزيع المتساوي" من قبل الناس في الحياة الواقعية.

وخلص دهاوان في رسالته الإلكترونية إلى أنه بناءً على النتائج المذكورة أعلاه، ينبغي اعتبار ثقافة وفن حلف أحد الأدلة الرئيسية على نقطة تحول مهمة في الإدراك البشري. في الأنماط الزهرية الموجودة على هذه الفخاريات المطلية، يمكنك أن ترى في نفس الوقت الذوق الجمالي والملاحظة والاعتراف بعالم النبات والتفكير الرياضي حول التسلسل والهياكل المتماثلة. وقد تم دمج هذه العناصر الثلاثة بشكل عضوي في الحرف اليدوية اليومية في العصر الحجري الحديث. وقد تم نشر نتائج الأبحاث ذات الصلة رسميًا في مجلة World Prehistory، مما يوفر لنا أدلة مهمة لإعادة التفكير في العلاقة بين الرياضيات والكتابة والفن والإدراك.